ومن خلالها تتضح مميزات كتاب "الروضة":
١- أثبت ابن قدامة في أول "الروضة" مقدمة تضمنت مسائل من فن المنطق، وقد تابع ابن قدامة الغزالي في ذلك، مع أن ابن قدامة لم يكن متكلمًا ولا منطقيًا، ولم يكن هذا من عادة الأصوليين.
_________________
(١) انظر: "المستصفى" (١٠) .
(٢) يقول الغزالي في مقدمة "المستصفى": "فإذن جملة الأصول تدور على أربعة أقطاب: القطب الأول: في الأحكام، والبداءة بها أولى؛ لأنها الثمرة المطلوبة. القطب الثاني: في الأدلة، وهي الكتاب والسنة والإجماع، وبها التثنية؛ إذ بعد الفراغ من معرفة الثمرة لا أهم من معرفة المثمر. القطب الثالث: في طريق الاستثمار، وهو وجوه دلالة الأدلة القطب الرابع: في المستثمر، وهو المجتهد" "المستصفى" (١٤، ١٥) .
(٣) انظر: "كشف الظنون" (٢/١٦٧٣) .
[ ٥٥ ]
ولما اطلع بعض الحنابلة على "الروضة" ورأى فيها المقدمة المنطقية عاتب ابن قدامة وأنكر عليه، فأسقطها ابن قدامة من "الروضة" بعد أن انتشرت بين الناس، فلهذا توجد في نسخة دون نسخة (١) .
٢- تابع ابن قدامة الغزالي في ترتيب الأبواب إلا أن الغزلي جعل مسائل كتابه تحت أقطاب، وبين في مقدمة كل قطب ما اشتمل عليه، فيقف الناظر في المقدمة على ما في أثنائه، وهذه طريقة الفلاسفة إذ لا تكاد تجد لهم كتابًا إلا وقد ضبطت مقالاته وأبوابه في أوله.
وابن قدامة لم ير الحاجة ماسة إلى الاعتناء بذلك، أو أنه أحب ظهور الامتياز بين الكتابين (٢) .
٣- نقل ابن قدامة في "الروضة" كثيرًا من نصوص ألفاظ الغزالي وبنى كتابه عليها، وتصرف فيها بحسب رأيه (٣)، وربما قدم وأخر، أو زاد وأنقص.
٤- اعتنى ابن قدامة بآراء الإمام أحمد بن حنبل، وضم إلى "الروضة" أقوال الحنابلة وأثبتها (٤)، وهذا دليل على أن ابن قدامة رجع إلى كتب الحنابلة في الأصول واستفاد منها.
٥- قرر ابن قدامة مذهب السلف في مسائل عدة وذكر أدلتهم، وأبطل قول المخالفين لهم (٥) .
٦- ظهرت شخصية ابن قدامة المستقلة من خلال ترجيحاته واختياراته التي اعتمد فيها على الحجة والدليل، ولم يكتف برأي الغزالي وترجيحه أو بما ذكره من أدلة، بل أضاف ابن قدامة أدلة لم يتعرض الغزالي لذكرها أيد بها رأيه (٦)، وربما اعترض على أدلة الغزالي وأجاب عنها (٧) .
_________________
(١) انظر: "شرح مختصر الروضة" (١/٩٨ - ١٠٠)، و"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" (٢٤٠) .
(٢) انظر: "شرح مختصر الروضة" (١/٩٨ - ١٠٠)، و"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" (٢٤٠) .
(٣) انظر المصدرين السابقين.
(٤) مثل القاضي أبي يعلى، وأبي الخطاب، وابن عقيل، وابن شاقلا، وغيرهم.
(٥) انظر: "الروضة" (٢/٦٣ – ٦٥)، على سبيل المثال.
(٦) انظر دليله على حجية قول الصحابي: "الروضة" (١/٤٠٤، ٤٠٥) .
(٧) انظر تغليط ابن قدامة لمن زعم الإجماع..إلخ:"الروضة" (١/١٣١)، وانظر: "المستصفى" (٩٥) .
[ ٥٦ ]