١- أن هذا الأصل وحي من الله، فالقرآن الكريم كلامه سبحانه، والسنة النبوية بيانه ووحيه إلى رسوله - ﷺ - (٣)؛ قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى* إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤] .
٢- أن هذا الأصل إنما بلغنا عن رسول الله - ﷺ -؛ لأنه لا سماع لنا من الله
_________________
(١) انظر: "روضة الناظر" (١/١٧٧، ١٧٨)، و"مجموع الفتاوى" (٧/٤٠، ١٩/١٩٥)، و"مختصر ابن اللحام" (٣٣)، و"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" (٨٧) .
(٢) "مجموع الفتاوى" (٧/٤٠) .
(٣) انظر: "الرسالة" (٣٣)، و"الصواعق المرسلة" (٣/٨٨٠)، "المدخل إلى مذهب الإمام أحمد" (٨٧) وانظر (ص١٣٤، ١٣٥) من هذا الكتاب.
[ ٦٩ ]
تعالى، ولا من جبريل ﵇، فالكتاب سُمع منه تبليغً، والسنة تصدر عنه تبيينًا (١)، وقد قال تعالى آمرًا نبيه - ﷺ - أن يقول: ﴿وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾ [الأنعام: ١٩] .
٣- أن الله ﷾ قد تكفل بحفظ هذا الأصل، كما قال سبحانه: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون﴾ [الحجر: ٩] (٢)، قال ابن القيم: "والله تعالى قد ضمن حفظ ما أوحاه إليه - ﷺ - وأنزل عليه؛ ليقيم به حجته على العباد إلى آخر الدهر" (٣) .
٤- أن هذا الأصل هو حجة الله التي أنزلها على خلقه.
قال الشافعي: "لأن الله جل ثناؤه أقام على خلقه الحجة من وجهين، أصلهما في الكتاب: كتابه ثم سنة نبيه" (٤) .
وقال ابن القيم: "إن الله سبحانه قد أقام الحجة على خلقه بكتابه ورسله، فقال: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرًا﴾ [الفرقان: ١] .
وقال: ﴿وأوحى إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾ [الأنعام: ١٩] . فكل من بلغه هذا القرآن فقد أنذر به وقامت عليه حجة الله به" (٥) .
٥- أن هذا الأصل هو جهة العلم عن الله وطريق الإخبار عنه سبحانه.
قال ابن عبد البر: "وأما أصول العلم فالكتاب والسنة (٦) يوضحه".
٦- أن هذا الأصل هو طريق التحليل، والتحريم، ومعرفة أحكام الله، وشرعه.
قال ابن تيمية: "وأوجب عليهم الإيمان به، وبما جاء به، وطاعته، وأن
_________________
(١) انظر: "روضة الناظر" (١/١٧٨)، "ومختصر الصواعق" (٤٦٣) وانظر (ص١٣٤، ١٣٥) من هذا الكتاب.
(٢) قال ابن القيم: "وكل وحي من عند الله فهو ذكر أنزله الله". "مختصر الصواعق" (٤٦٣) .
(٣) "مختصر الصواعق" (٤٦٣) وانظر (ص١٣٣) من هذا الكتاب.
(٤) "الرسالة" (٢٢١) .
(٥) "الصواعق المرسلة" (٢/٧٣٥) .
(٦) "جامع بيان العلم وفضله" (٢/٣٣) .
[ ٧٠ ]
يحللوا ما حلل الله ورسوله، ويحرموا ما حرم الله ورسوله" (١) .
٧- وجوب الاتباع لهذا الأصل، ولزوم التمسك بما فيه (٢) .
قال الشافعي: "وأنه لا يلزم قول بكل حال إلا بكتاب الله، أو سنة رسول - ﷺ - " (٣) .
٨- أن وجوب اتباع هذا الأصل عام، فلا يجوز ترك شيء مما دل عليه هذا الأصل، أبدًا، وتحرم مخالفته على كل حال.
قال ابن عبد البر: "وقد أمر الله ﷿ بطاعته - ﷺ - واتباعه أمرًا مطلقًا مجملًا، لم يقيد بشيء - كما أمرنا باتباع كتاب الله - ولم يقل وافق كتاب الله، كما قال بعض أهل الزيغ" (٤) .
وقال ابن تيمية: "فلهذا كانت الحجة الواجبة الاتباع: الكتاب والسنة والإجماع، فإن هذا حق لا باطل فيه، واجب الاتباع، لا يجوز تركه بحال، عام الوجوب لا يجوز ترك شيء مما دلت عليه هذه الأصول، وليس لأحدً الخروج عن شيء مما دلت عليه، وهي مبنية على أصلين:
أحدهما: أن هذا جاء به الرسول.
والثاني: أن ما جاء به الرسول وجب اتباعه.
وهذه الثانية إيمانية ضدها الكفر أو النفاق" (٥) .
٩- وجوب التسليم التام لهذا الأصل وعدم الاعتراض عليه.
خصص الخطيب البغدادي لذلك بابًا في كتاب "الفقيه والمتفقه"، فقال: "باب تعظيم السنن، والحث على التمسك بها، والتسليم لها، والانقياد إليها، وترك الاعتراض عليها" (٦) .
١٠- أن معارضة هذا الأصل قادح في الإيمان.
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (١٩/٩) .
(٢) انظر (ص٥٥٤) فقرة رقم (٢٩) من هذا الكتاب.
(٣) "جماع العلم" (١١) .
(٤) "جامع بيان العلم وفضله" (٢/١٩٠) .
(٥) "مجموع الفتاوى" (١٩/٥، ٦) .
(٦) ١/١٤٣) . وفي الأصل: "الاعتراض عنها".
[ ٧١ ]
قال ابن القيم: "إن المعارضة بين العقل ونصوص الوحي لا تتأتى على قواعد المسلمين المؤمنين بالنبوة حقًا، ولا على أصول أحد من أهل الملل المصدقين بحقيقة النبوة، وليست هذه المعارضة من الإيمان بالنبوة في شيء، وإنما تتأتى هذه المعارضة ممن يقر بالنبوة على قواعد الفلسفة" (١) .
١١- أن هذا الأصل به تفض المنازعات، وإليه ترد الخلافات، كما قال سبحانه: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ [النساء: ٥٩]، وقال جل شأنه: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾ [الشورى: ١٠] .
قال الشافعي: "ومن تنازع ممن بعد رسول الله رد الأمر إلى قضاء الله ثم قضاء رسوله، فإن لم يكن فيما تنازعوا فيه قضاء نصا فيهما ولا في واحد منهما ردوه قياسًا على أحدهما" (٢) .
وقال ابن تيمية: "فإذا تنازع المسلمون في مسألة وجب ردّ ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول، فأي القولين دل عليه الكتاب والسنة وجب اتباعه" (٣) .
١٢- أن هذا الأصل تمتنع معه الاستشارة.
قال البخاري: "وكانت الأئمة بعد النبي - ﷺ - يستشيرون الأمناء من أهل العلم في الأمور المباحة ليأخذوا بأسهلها.
فإذا وضح الكتاب أو السنة لم يتعدوه إلى غيره؛ اقتداءً بالنبي - ﷺ - " (٤) .
١٣- أن هذا الأصل يوجب تغيير الفتوى لمن أفتى بخلافه.
وقد بوب الدارمي (٥) لذلك في سننه، فقال: "باب الرجل يفتي بشيء، ثم يبلغه عن النبي - ﷺ -، فرجع إلى قول النبي - ﷺ - " (٦) .
_________________
(١) "الصواعق المرسلة" (٣/٩٥٥) .
(٢) "الرسالة" (٨١) .
(٣) "مجموع الفتاوى" (٢٠/١٢) .
(٤) "صحيح البخاري" (١٣/٣٣٩) .
(٥) هو: عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام الدارمي التميمي، أبو محمد صاحب السنن، كان ركنًا من أركان الدين ممن أظهر السنة ودعا إليها وذب عنها، حدث عنه مسلم وأبو داود والترمذي، له كتاب في التفسير، توفي سنة (٢٥٥هـ) . انظر: "سير أعلام النبلاء" (١٢/٢٢٤)، و"شذرات الذهب" (٢/١٣٠) .
(٦) ١/١٥٣) .
[ ٧٢ ]
١٤- أن هذا الأصل يوجب الرجوع عن الرأي وطرحه إذا كان مخالفًا له.
وقد خصص الخطيب البغدادي لذلك بابًا في كتابه "الفقيه والمتفقه" فقال: "ذكر ما روي من رجوع الصحابة عن آرائهم التي رأوها إلى أحاديث النبي - ﷺ - إذا سمعوها ووعوها" (١) .
١٥-أن هذا الأصل هو الإمام المقدم، فهو الميزان لمعرفة صحيح الآراء من سقيمها.
قال الشافعي: " وأن يجعل قول كل أحد وفعله أبدًا تبعًا لكتاب الله ثم سنة رسوله" (٢) .
وقال ابن عبد البر: "واعلم يا أخي أن السنة والقرآن هما أصل الرأي والعيار عليه، وليس الرأي بالعيار على السنة؛ بل السنة عيار عليه" (٣) .
وقال ابن القيم: "وقد كان السلف يشتد عليهم معارضة النصوص بآراء الرجال، ولا يقرون على ذلك" (٤) .
١٦-أن هذا الأصل إذا وجد سقط معه الاجتهاد وبطل به الرأي، وأنه لا يصار إلى الاجتهاد والرأي إلا عند عدمه، كما لا يصار إلى التيمم إلا عند عدم الماء (٥) .
١٧- أن إجماع المسلمين لا ينعقد على خلاف هذا الأصل أبدًا قال الشافعي: "..أو إجماع علماء المسلمين، الذين لا يمكن أن يجمعوا على خلاف سنة له" (٦) .
وقال أيضًا:"أما سنة يكونون مجتمعين على القول بخلافها فلم أجدها قط" (٧) .
١٨- أن القياس موافق لهذا الأصل، فلا يختلفان أبدًا (٨) .
_________________
(١) ١/١٣٨) .
(٢) "الرسالة" (١٩٨) .
(٣) "جامع بيان العلم وفضله" (٢/١٧٣) .
(٤) "مختصر الصواعق" (١٣٩) .
(٥) انظر (ص١٨٥، ١٨٦، ٤٧٤، ٤٧٥) من هذا الكتاب.
(٦) الرسالة (٣٢٢)
(٧) المصدر السابق (٤٧٠) .
(٨) انظر (ص١٨٩، ١٩٦) تعليق رقم (١) من هذا الكتاب.
[ ٧٣ ]
١٩- أن هذا الأصل لا يُعارض العقل، بل إن صريح العقل موافق لصحيح النقل دائمًا (١) .
٢٠- أن هذا الأصل يقدم على العقل إن وجد بينهما تعارض في الظاهر (٢) .
٢١- أن هذا الأصل كله حق لا باطل فيه.
قال ابن تيمية: "وذلك أن الحق الذي لا باطل فيه هو ما جاءت به الرسل عن الله، وذلك في حقنا، ويعرف بالكتاب والسنة والإجماع" (٣) .
٢٢- أن هذا الأصل لا يمكن الاستدلال به على إقامة باطل أبدًا؛ من وجهٍ صحيح (٤) .
٢٣- أن هذا الأصل يحصل به العلم واليقين، خلافًا لمن قال: إن الأدلة السمعية لا تفيد إلا الظن (٥) .
٢٤- أن في هذا الأصل الجواب عن كل شيء، إذ هو مشتمل على بيان جميع الدين أصوله وفروعه (٦) .
قال الشافعي: "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها" (٧) .
٢٥- أن هذا الأصل واضح المعاني ظاهر المراد، لا لبس في فهمه ولا غموض.
قال ابن القيم: "وكذلك عامة ألفاظ القرآن نعلم قطعًا مراد الله ورسوله منها.
كما نعلم قطعًا أن الرسول بلغها عن الله، فغالب معاني القرآن معلوم أنها مراد الله خبرًا كانت أو طلبًا، بل العلم بمراد الله من كلامه أوضح وأظهر من العلم بمراد كل متكلم من كلامه، لكمال علم المتكلم وكمال بيانه، وكمال هداه
_________________
(١) انظر (ص٩٤ - ٩٧، ٢٧٠) من هذا الكتاب.
(٢) انظر (ص٩٤- ٩٧) من هذا الكتاب.
(٣) "مجموع الفتاوى" (١٩/٥) .
(٤) انظر: "جامع البيان" للطبري (٢٤/١٢٥) .
(٥) انظر (ص٨٣- ٨٦) من هذا الكتاب.
(٦) انظر (ص٥٦٧، ٥٦٨) فقرة (١١٦، ١١٧) من هذا الكتاب.
(٧) "الرسالة" (٢٠) .
[ ٧٤ ]
وإرشاده، وكمال تيسيره للقرآن، حفظًا وفهمًا، عملًا وتلاوة.
فكما بلغ الرسول ألفاظ القرآن للأمة بلغهم معانيه، بل كانت عنايته بتبليغ معانيه أعظم من مجرد تبليغ ألفاظه" (١) .
٢٦- أن في التمسك بهذا الأصل الخير والسعادة والفلاح، وفي مخالفته والإعراض عنه الشقاء والضلال (٢) .
قال ابن تيمية: "أصل جامع في الاعتصام بكتاب الله ووجوب اتباعه، وبيان الاهتداء به في كل ما يحتاج إليه الناس في دينهم، وأن النجاة والسعادة في اتباعه والشقاء في مخالفته" (٣) .
وقال أيضًا: "قاعدة نافعة في وجوب الاعتصام بالرسالة وبيان أن السعادة والهدي في متابعة الرسول - ﷺ -، وأن الضلال والشقاء في مخالفته، وأن كل خير في الوجود -إما عام وإما خاص- فمنشؤه من جهة الرسول، وأن كل شر في العالم مختص بالعبد فسببه مخالفة الرسول أو الجهل بما جاء به، وأن سعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسالة" (٤) .
٢٧- أن هذا الأصل ضروري لصلاح العباد في الدنيا والآخرة.
قال ابن تيمية: "والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة، فإن الإنسان مضطر إلى الشرع" (٥) .
وقال أيضًا: "والرسالة ضرورية للعباد، لابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟.
والدنيا مظلمة ملعونة إلا ما طلعت عليه شمس الرسالة.
_________________
(١) "الصواعق المرسلة" (٢/٦٣٦) .
(٢) انظر: "الرسالة" (١٩)، و"الشريعة" للآجري (١٤)، و"الصواعق المرسلة" (٣/٨٣٧) .
(٣) "مجموع الفتاوى" (١٣/٧٦) .
(٤) المصدر السابق (١٣/٩٣) .
(٥) المصدر السابق (١٩/٩٩) .
[ ٧٥ ]
وكذلك العبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة ويناله من حياتها وروحها فهو في ظلمة، وهو من الأموات.
قال تعالى: ﴿أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلامت ليس بخارج منها﴾ [الأنعام: ١٢٢] " (١) .
٢٨- أن هذا الأصل لابد له من تعظيم وتوقير وإجلال.
وقد بوب الدارمي في سننه لذلك بقوله: "باب تعجيل عقوبة من بلغه عن النبي - ﷺ - حديث فلم يعظمه ولم يوقره" (٢) .
وكذلك صنع الخطيب البغدادي في كتاب "الفقيه والمتفقه"، فقال: "باب تعظيم السنن" (٣) .
وبوب ابن عبد البر في جامعه قائلًا: "باب ذكر بعض من كان لا يحدث عن رسول الله إلا وهو على وضوء" (٤) .
٢٩- أن هذا الأصل ترجع إليه جميع الأدلة: المتفق عليها والمختلف فيها كذلك (٥) .
****
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (١٩/٩٣) .
(٢) ١/١١٦) .
(٣) ١/١٤٣) .
(٤) ٢/١٩٤) .
(٥) انظر (ص٦٨، ٢٧٨) من هذا الكتاب.
[ ٧٦ ]