وكان من أحسن كتابة فيها للمتقدمين تأليف أبي زيد الدبوسي" (١) .
وقال أيضًا: "وجاء أبو زيد الدبوسي من أئمتهم -أي الحنفية- فكتب في القياس بأوسع من جميعهم، وتمم الأبحاث والشروط التي يحتاج إليها فيه. وكملت صناعة أصول الفقه بكماله، وتهذبت مسائله وتمهدت قواعده" (٢) .
وأما الثاني وهو كتاب "المستصفى" فإنه يعتبر واسطة العقد في كتب المتكلمين الأصولية، فهو جامع لما سبقه من مؤلفات أصولية، وما بعده لا يخلو من الاستفادة منه، وبه اكتملت أركان علم الأصول، وفيه نضجت مباحثه وتمت مسائله (٣) .
وقد أحسن أهل السنة التعامل مع هذين الكتابين المهمين، والاستفادة مما فيهما.
أما كتاب "تقويم الأدلة" للدبوسي فقد تصدى له أبو المظفر ابن السمعاني (٤) في كتابه "قواطع الأدلة" (٥) .
قال أبو المظفر في مقدمة هذا الكتاب:
"وما زلت طول أيامي أطالع تصانيف الأصحاب في هذا الباب وتصانيف غيرهم، فرأيت أكثرهم قد قنع بظاهرٍ من الكلام، ورائقٍ من العبارة، ولم يداخل حقيقة الأصول على ما يوافق معاني الفقه.
_________________
(١) مقدمة "ابن خلدون" (٣٦١) .
(٢) المصدر السابق.
(٣) انظر ما سيأتي (ص٥٤، ٥٥) من هذا الكتاب.
(٤) هو: منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد، أبو المظفر السمعاني التميمي، الحنفي ثم الشافعي، من أعلام أهل السنة في عصره، له كتاب "التفسير"، وله في أصول الفقه كتاب "قواطع الأدلة" وله في الفقه كتاب "الاصطلام"، توفي سنة (٤٨٩هـ) . انظر "طبقات الشافعية الكبرى" لابن السبكي (٤/٢١)، و"طبقات الشافعية" لابن قاضي شهبة (١/٢٧٣) .
(٥) كتاب "قواطع الأدلة" قام بتحقيق بعضه الدكتور عبد الله الحكمي سنة (١٤٠٧هـ) في مرحلة الدكتوراه بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، ثم طبع الكتاب كاملًا ونشر سنة (١٤١٩هـ) بتحقيق د. عبد الله الحكمي، ود. علي عباس الحكمي، وذلك في خمسة مجلدات.
[ ٣٣ ]
ورأيت بعضهم قد أوغل وحلل وداخل، غير أنه حاد عن محجة الفقهاء في كثير من المسائل، وسلك طريق المتكلمين الذين هم أجانب عن الفقه ومعانيه، بل لا قبيل لهم فيه ولا دبير، ولا نقير ولا قطمير
فاستخرت الله تعالى عند ذلك، وعمدت إلى مجموع مختصر في أصول الفقه؛ أسلك فيه محض طريقة الفقهاء، من غير زيغ عنه ولا حيد ولا جنف ولا ميل، ولا أرضي بظاهر من الكلام، ومتكلف من العبارة، يهول على السامعين، ويسبي قلوب الأغتام (١) الجاهلين، لكن أقصد لباب اللب، وصفو الفطنة، وزبدة الفهم، وأنص على المعتمد عليه في كل مسألة، وأذكر من شبه المخالفين بما عوّلوا عليه.
وأخص ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي في "تقويم الأدلة" بالإيراد، وأتكلم عليه بما تزاح معه الشبهة، وينحل به الإشكال، بعون الله تعالى.
وأشير عند وصولي إلى المسائل المشتهرة بين الفريقين إلى بعض المسائل التي تتفرع عنها لتكون عونًا للناظر " (٢) .
وقد استفاد أبو المظفر من أبي زيد الدبوسي ونقل عنه عددًا من المباحث، وأورد عليه ورد عليه في مباحث أخرى (٣) .
وكتاب "القواطع" امتاز بتوسطه بين طريقتين: طريقة الفقهاء، وطريقة المتكلمين.
فهو لم يجرد كتابه عن الفروع الفقهية، بل أورد فيه عددًا من المسائل الفقهية، كما أنه حرر المسائل وأصل القواعد على أدلة الكتاب والسنة وما عليه سلف هذه الأمة، وقد أكثر من النقل عن الإمام الشافعي خاصة (٤)، وعن غيره من أئمة أهل السنة.
_________________
(١) الأغتام: جمع أغتم، وهو الذي لا يفصح في كلامه. انظر: "لسان العرب" (١٢/٤٣٣) .
(٢) "قواطع الدلة" (١/٥ – ٨) .
(٣) انظر مقدمة محقق القواطع: (١/٧٣) .
(٤) انظر فهرس كتاب القواطع: (٥/٤١٤ – ٤١٥) .
[ ٣٤ ]