الواجب على المجتهدين العمل بالعلم، لكن هذا العلم إما ألا يحتمل النقيض، وهذا فيما إذا كان الدليل المتبع دليلًا قاطعًا، فهذا عمل باعتقاد الرجحان، لا برجحان الاعتقاد، وهو اعتقاد رجحان هذا على هذا. وإما أن يحتمل النقيض، وهو أن يكون الدليل المتبع خلاف الثابت في نفس الأمر، وهذا فيما إذا كان الدليل المتبع ظنيًا، لكن عمل به لكونه استند إلى دليل أفاد ترجيحه.
والمقصود أن الذي جاءت به الشريعة وعليه عقلاء الناس وما يوجد في جميع العلوم والصناعات، كالطب والتجارة، العمل بالعلم، فلا يعملون إلا بالعلم بأن هذا أرجح من هذا، فيعتقدون الرجحان اعتقادًا عمليًا، لكن لا يلزم إذ كان أرجح ألا يكون المرجوح هو الثابت في نفس الأمر.
وذلك مثل الحكم بالبينة، فإذا أتى أحد الخصمين بحجة ولم يأت الآخر بشيء، كان الحاكم عالمًا بأن حجة هذا أرجح، فما حكم إلا بعلم، مع أن الآخر قد تكون له حجة لا يعلمها أو لا يحسن أن يبينها، فيكون مضيعًا لحقه حيث لم يبين حجته، والحاكم لم يحكم إلا بعلم وعدل.
وهكذا أدلة الأحكام فإذا تعارض خبران قدم الأقوى منهما، وإن جاز أن يكون في نفس الأمر الخبر المرجوح هو الحق، لكونه هو الأقوى في الحقيقة إلا أن المجتهد لم يعلم بذلك، فالمجتهد إنما عمل بعلم، وهو علمه برجحان هذا على هذا، فهو إذن ليس ممن لا يتبع إلا الظن.
وليس للمجتهد أن يترك ما يعلمه إلى ما لا يعلمه لإمكان ثبوته في نفس
_________________
(١) انظر: "مجموع الفتاوى" (١٣/١١٤ – ١١٧) .
[ ٧٩ ]
الأمر، فإذا كان لابد من ترجيح أحد القولين وجب ترجيح هذا الذي علم ثبوته على ما لا يعلم ثبوته، وإن لم يعلم انتفاءه من جهته، والواجب قطعًا ترجيح المعلوم ثبوته على ما لا يعلم ثبوته، فهذا من رجحان الاعتقاد لا من اعتقاد الرجحان، إذ أنه رجح هذا الاعتقاد على هذا الاعتقاد وهو الظن لكن ليس من الظن الذي قال الله فيه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٣]، بل هو ظن راجح، ورجحانه معلوم، فحكم المجتهد بما علمه من الظن الراجح والدليل الراجح، وهذا معلوم له لا مظنون عنده.
قال ابن تيمية: "فقد تبين أن الظن له أدلة تقتضيه، وأن العالم إنما يعمل بما يوجب العلم بالرجحان لا بنفس الظن إلا إذا علم رجحانه.
وأما الظن الذي لا يعلم رجحانه فلا يجوز اتباعه، وذلك هو الذي ذم الله به من قال فيه: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ﴾ [النجم: ٢٣]، فهم لا يتبعون إلا الظن، ليس عندهم علم، ولو كانوا عالمين بأنه ظن راجح لكانوا قد اتبعوا علمًا لم يكونوا ممن لا يتبع (١) إلا الظن. والله أعلم (٢) .