للعقل عند أهل السنة مكانته اللائقة به، وهم في ذلك وسط بين طرفين (٣) .
الطرف الأول: من جعل العقل أصلًا كليًا أوليًا، يستغني بنفسه عن الشرع.
الطرف الثاني: من أعرض عن العقل، وذمه وعابه، وخالف صريحه، وقدح في الدلائل العقلية مطلقًا.
والوسط في ذلك:
أ- أن العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، لذلك كان سلامة العقل شرطًا في التكليف فالأحوال الحاصلة مع عدم العقل ناقصة، والأقوال المخالفة للعقل باطلة، وقد أمر الله باستماع القرآن وتدبره بالعقول ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ [النساء: ٨٢]، و[محمد: ٢٤]، ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ [المؤمنون: ٦٨] . فالعقل هو المدرك لحجة الله على خلقه (٤) .
_________________
(١) انظر: "درء التعارض" (١/١٤٧) .
(٢) انظر: "درء التعارض" (١/١٩٨، ١٩٩) .
(٣) انظر: "مجموع الفتاوى" (٣/٣٣٨) .
(٤) انظر: "مجموع الفتاوى" (٣/٣٣٨، ٣٣٩)، و"الصواعق المرسلة" (٢/٤٥٨) .
[ ٩٥ ]
ب- أن العقل لا يستقل بنفسه، بل هو محتاج إلى الشرع الذي عرفناه ما لم يكن لعقولنا سبيل إلى استقلالها بإدراكه أبدًا، إذ العقل غريزة في النفس وقوة فيها بمنزلة قوة البصر التي في العين، فإن اتصل به نور الإيمان والقرآن كان كنور العين إذا اتصل به نور الشمس والنار.
وإن انفرد بنفسه لم يبصر الأمور التي يعجز وحده عن دركها (١) .
جـ- أن العقل مصدق للشرع في كل ما أخبر به دال على صدق الرسول - ﷺ - دلالة عامة مطلقة، فالعقل مع الشرع كالعامي مع المفتي، فإن العامي إذا علم عين المفتي ودل غيره عليه وبين له أنه عالم مفتٍ، ثم اختلف العامي الدال والمفتي، وجب على المستفتي أن يقدم قول المفتي، فإذا قال له العامي: أنا الأصل في علمك بأنه مفتٍ فإذا قدمت قوله على قولي عند التعارض، قدحت في الأصل الذي به علمت أنه مفتٍ، قال له المستفتي: أنت لما شهدت بأنه مفتٍ ودللت على ذلك، شهدت بوجوب تقليده دون تقليدك، وموافقتي لك في قولك إنه مفتٍ، لا يستلزم أن أوافقك في جميع أقوالك، وخطؤك فيما خالفت فيه المفتي الذي هو أعلم منك، لا يستلزم خطأك في علمك بأنه مفتٍ.
هذا مع أن المفتي يجوز عليه الخطأ، أما الرسول - ﷺ - فإنه معصوم في خبره عن الله تعالى لا يجوز عليه الخطأ، فتقديم قول المعصوم على ما يخالفه من استدلال عقلي، أولى من تقديم العامي قول المفتي على قول الذي يخالفه.
وإذا كان الأمر كذلك فإذا علم الإنسان بالعقل أن هذا رسول الله - ﷺ -، وعلم أنه أخبر بشيء ووجد في عقله ما ينازعه في خبره، كان عقله يوجب عليه أن يسلم موارد النزاع إلى من هو أعلم به منه (٢) .
د- أن الشرع دل على الأدلة العقلية وبينها ونبه عليها (٣) .
وذلك كالأمثال المضروبة التي يذكرها الله في كتابه، التي قال فيها: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾ [الروم: ٥٨]، فإن الأمثال المضروبة هي
_________________
(١) انظر: "مجموع الفتاوى" (٣/٣٣٩)، و"الصواعق المرسلة" (٢/٤٥٨، ٤٥٩) .
(٢) انظر: "درء التعارض" (١/١٣٨، ١٣٩، ١٤١)، و"الصواعق المرسلة" (٣/٨٠٨، ٨٠٩)، و"شرح العقيدة الطحاوية" (٢١٩) .
(٣) انظر: "درء التعارض" (١/٢٨، ٢٩)، و"الصواعق المرسلة" (٢/٤٦٠ – ٤٩٧) .
[ ٩٦ ]
الأقيسة العقلية، فمن ذلك إثبات التوحيد بقوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١]، وإثبات النبوة بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦]، وإثبات البعث بقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] .
والناس في الأدلة العقلية التي بينها القرآن وأرشد إليها الرسول - ﷺ - على طرفين (١):
فمنهم من يذهل عن هذه الأدلة ويقدح في الأدلة العقلية مطلقًا؛ لأنه قد صار في ذهنه أنها هي الكلام المبتدع الذي أحدثه المتكلمون.
ومنهم من يعرض عن تدبر القرآن وطلب الدلائل اليقينية العقلية منه؛ لأنه قد صار في ذهنه أن القرآن إنما يدل بطريق الخبر فقط.
والذي عليه أهل العلم والإيمان (٢):
أن الأدلة العقلية التي بينها الله ورسوله - ﷺ - أجل الأدلة العقلية وأكملها وأفضلها.
هـ- أن العقل لا يمكن أن يعارض الكتاب والسنة، فالعقل الصريح لا يخالف النقل الصحيح أبدًا، فلا يصح أن يقال: إن العقل يخالف النقل، ومن ادعى ذلك فلا يخلو من أمور (٣):
أولها: أن ما ظنه معقولًا ليس معقولًا، بل هو شبهات توهم أنه عقل صريح وليس كذلك.
ثانيها: أن ما ظنه سمعًا ليس سمعًا صحيحًا مقبولًا، إما لعدم صحة نسبته، أو لعدم فهم المراد منه على الوجه الصحيح.
ثالثها: أنه لم يفرق بين ما يحيله العقل وما لا يدركه، فإن الشرع يأتي بما يعجز العقل عن إدراكه، لكنه لا يأتي بما يعلم العقل امتناعه.
_________________
(١) انظر: "مجموع الفتاوى" (١٣/١٣٧، ١٣٨) .
(٢) انظر: "درء التعارض" (١/٢٨)، و"مجموع الفتاوى" (١٣/١٣٧) .
(٣) انظر: "درء التعارض" (١/٧٨، ١٩٤)، و"مجموع الفتاوى" (٣/٣٣٩)، و"الصواعق المرسلة" (٢/٤٥٩) .
[ ٩٧ ]