إذا علم ما سبق فإن القول بأن نصوص الكتاب والسنة أدلة لفظية لا يحصل بها اليقين قول باطل.
وقبل ذكر الأدلة على بطلان هذا القول نشير إلى خطورته:
ذلك أن المتكلمين (٤) قالوا: إن الدليل اللفظي لا يفيد اليقين إلا عند تيقن أمور عشرة: عصمة رواة تلك الألفاظ، وإعرابها وتصريفها، وعدم الاشتراك والمجاز والنقل والتخصيص بالأشخاص والأزمنة، وعدم الإضمار، والتقديم والتأخير، والنسخ، وعدم المعارض العقلي.
_________________
(١) "مجموع الفتاوى" (٢٠/٢٦٠، ٢٦١) .
(٢) "الرسالة" (٤٦١) .
(٣) انظر: "الاستقامة" (١/٥٥، ٥٦)، و"الصواعق المرسلة" (٢/٧٤٠، ٧٤٦)، و"شرح الكوكب المنير" (١/٢٩٢) .
(٤) انظر: "محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين" (٤٥)، و"المواقف" (٤٠) .
[ ٨٣ ]
هذا القول طاغوت من الطواغيت التي هدم بها أصحاب التأويل الباطل معاقل الدين، وانتهكوا بها حرمة القرآن ومحوا بها رسوم الإيمان.
فأسقطت حرمة النصوص من القلوب، ونهجت طريق الطعن فيها لكل زنديق وملحد، فلا يحتج عليه المحتج بحجة من كتاب الله أو سنة رسوله - ﷺ -، إلا لجأ إلى طاغوت من هذه الطواغيت واعتصم به، واتخذه جنة يصد به عن سبيل الله (١) .
ومما يوضح بطلان هذا القول ويكسر هذا الطاغوت:
أ- أن جميع الاحتمالات التي ذكروها ترجع إلى أمر واحد، وهو احتمال اللفظ لمعنى آخر غير ما يظهر من الكلام. ولا خلاف أن غالب ألفاظ النصوص لها ظواهر، هي موضوعة لها ومفهومة عند الإطلاق منها. أما كون ذلك الظاهر يحتمل خلافه فهذا قد يقع بهذه الاحتمالات العشرة وبغيرها من القرائن التي يتفاوت الناس في الاطلاع عليها وفي فهمها، فهذا من لوازم الطبيعة الإنسانية، لكنه قليل جدًا بالإضافة إلى ما تيقنه الصحابة من مراد الرسول - ﷺ - بألفاظه، فلا يجوز أن يُدعي لأجله أن كلام الله ورسوله - ﷺ - لا يفيد اليقين بمراد، وأنه لا سبيل إلى اقتباس العلم واليقين منه (٢) .
ب- أن الصحابة -﵃- كانوا يعلمون أحوال النبي - ﷺ - بالاضطرار وكانوا لا يتوقفون على هذه الأمور العشرة في حصول اليقين لهم بمراد الرسول - ﷺ -، فإنهم جازمون متيقنون لمراد الله ورسوله - ﷺ - يقينًا لا ريب فيه، فكيف يقال مع ذلك لا يحصل اليقين بكلام الله ورسوله - ﷺ -، بل كان التابعون وتابعوهم أيضًا ومن بعدهم كذلك (٣) .
جـ- أن قولهم: إن كلام الله ورسوله - ﷺ - لا يستفاد منه اليقين، إما أن يراد به نفي اليقين في باب الأسماء والصفات، وباب المعاد، وباب الأمر والنهي، أو في بعضها دون بعض.
فإن قالوا: إنها لا تفيد اليقين لا في باب الأسماء والصفات، ولا في المعاد،
_________________
(١) انظر: "الصواعق المرسلة" (٢/٦٣٢، ٦٣٣) .
(٢) انظر: "الصواعق المرسلة" (٢/٦٥٧ – ٦٥٩) .
(٣) انظر المصدر السابق (٢/٦٥٩ – ٦٦٣) .
[ ٨٤ ]
ولا في الأمر والنهي، فقد انسلخوا من الإيمان والعقل انسلاخًا تامًا، وهذا قدح في النبوات والشرائع، بل قدح في العقل الصحيح.
وإن فرقوا وقالوا: إن اليقين يحصل في كلام الله ورسوله - ﷺ - في باب المعاد، والأمر والنهي، دون باب الخبر عن الله وصفاته. فجوابهم ما يجيبون به من قال: إن اليقين لا يحصل حتى في باب المعاد (١) .
د- أن دلالة الأدلة اللفظية لا تختص بالقرآن والسنة، بل جميع بني آدم يدل بعضهم بعضًا بالأدلة اللفظية، فالنطق ذاتي، والإنسان مدني بالطبع لا يمكنه أن يعيش وحده، فلا بد أن يعرف بعضهم مراد بعض ليحصل التعاون.
وهذا التفاهم والتعاون أمر ضروري لابد منه في حياة بني آدم، ثم إننا نعلم قطعًا أن جميع الأمم يعرف بعضها مراد بعض ويقطع به بلفظه.
وكذلك فإن معرفة الناس لمراد بعضهم بواسطة الكلام أعظم من المعرفة بواسطة العلوم العقلية.
بل إن العلوم العقلية لا يعرفها كل أحد، بخلاف الكلام الذي يعرف به كل أحد مراد غيره. وكذلك فإن التعريف بالأدلة اللفظية أصل للتعريف بالأدلة العقلية، فمن لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول الألفاظ لم يكن له سبيل إلى العلم بمدلول الأدلة العقلية، وحينئذٍ فالقدح في حصول العلم بمدلول الأدلة اللفظية قدح في حصول العلم بالأدلة العقلية، فلا يحصل العلم إذن (٢) .