مما يوضح بطلان هذا القول ذكر بعض العوامل التي ساعدت على انتشاره وشيوعه، فمن هذه العوامل (١):
أ- انتشار التقليد فأصبح غالب المتفقهة أكثر ما لديهم ظن أو تقليد، إذ ينقل أحدهم مذهب إمامه ودليله بحروفه، فالعالم والإمام يكون لديه دليل يفيد القطع، وليس عند هؤلاء ذلك الدليل مفيدًا للقطع لكونهم مقلدين.
فاستطال المتكلمون لما رأوا كثرة التقليد والجهل والظنون في المنتسبين إلى الفقه والفتوى حتى أخرجوا الفقه من أصل العلم.
ب- تجريد مسائل النزاع وتأليف كتب خاصة في مسائل الخلاف، فاقتصر من صنف في هذا الباب على ما اختلف فيه الأئمة.
واشتهار أصحاب هذه التصانيف بعلم الفقه كان من الشبهة التي أوجبت للمتكلمين القول بأن الفقه من باب الظنون.
جـ- انتشار البدع، وتغير أمور الإسلام، وضعف الخلافة الإسلامية،
_________________
(١) انظر: "الاستقامة" (١/٤٧ – ٦٩) .
[ ٨٦ ]
فظهر حينئذٍ مذاهب المبتدعة وأصحاب الأهواء، فكثر اتباع الظن وما تهوي الأنفس، وصار الفقه يطلب لغير وجه الله.
د- أن المتكلمين بنوا هذه المقالة على أصل فاسد، وهو:
أنه ليس لله في الأحكام حكم معين، بل الحكم في حق كل شخص ما أدى إليه اجتهاده، فكل مجتهد مصيب عندهم في الفروع، أما أصول الدين فالمصيب عندهم فيه واحد، فهم يعظمون علم الكلام ويسمونه أصول الدين، ويجعلون مسائله قطعية، وفي المقابل يوهنون أمر الفقه حتى يجعلوه من باب الظنون.
هـ- ما حصل من اختلاف بين الأئمة الأعلام لسبب من الأسباب الموجبة للخلاف، كعدم سماع الحديث، أو عدم ثبوته، أو الاختلاف في الفهم والاستدلال، فقد يحصل لبعضهم القطع بأمر والآخر يجهله، أو يفهم خلافه.
فنتج عن هذا الاختلاف -مع كونه اختلافًا سائغًا- تقليد بلا علم، واشتباهُ ما يمكن علمُه وما هو معلوم لفقهاء الدين بغيره.