وقد قدمنا أن الحقيقة لغوية وشرعية وعرفية، وفي مقابلة كل حقيقة مجاز.
أما المجاز اللغوي فمثاله: احتجاج أصحابنا على أن من وجد
[ ٥١٥ ]
سلعته عند المفلس فهو أولى بها من سائر الغرماء، بقوله ﷺ: أيما رجل أفلس فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده بعينه.
فتقول الحنفية: صاحب المتاع هو حقيقة فيمن المتاع بيده، وهو المفلس، ومجاز فيمن كانت بيده، لأن إطلاق اللفظ المشتق بعد ذهاب المعنى المشتق منه مجاز، ولذلك لم يطرد، ألا ترى أن من كان كافرا ثم أسلم فإنه لا يسمى كافرا، فدل على أن إطلاق اللفظ باعتبار الماضي مجاز.
[ ٥١٦ ]
والجواب عند أصحابنا: أن الدليل دل على تعين المجاز، ألا ترى أنه لو أريد به المفلس لم يكن لاشتراط التلفليس معنى، ولقال: فهو أحق بمتاعه فلما أتي في الحديث بالظاهر دون المضمر دل أنه أراد به غير ما يراد بالمضمر.
وأما المجاز الشرعي، فمثاله: احتجاج الحنفية ومن وافقهم من أصحابنا على ان الزنا يوجب حرمة المصاهرة، بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ فإن المراد به: ولا تطئوا من زني بها الأب، ومن زنى بها الأب، فهي موطوءة له، فوجب أن يحرم وطؤها، على الابن.
فيقول الشافعية ومن وافقهم من أصحابنا: إنما المراد به العقد، لأن النكاح حقيقة شرعية فيه، ومجاز شرعي في الوطء.
والجواب عند الأولين: أن الوطء يتعين أن يكون هو المراد في الآية لقوله تعالى: ﴿إلا ما قد سلف﴾ وذلك أن العرب كانت في
[ ٥١٧ ]
الجاهلية تخلف الاباء في نسائهم، وإنما كانوا يخلفونهم في الوطء لا في العقد، لأنهم لم يكونوا يجددون عليهن عقدا، بل كانوا يأخذونهن بالإرث، ولذلك قال الله تعالى: ﴿يا أيها الذين أمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كرها﴾ وأيضا فقد قال تعالى: ﴿إنه كان فاحشة﴾ والفاحشة: الوطء لا العقد
وأما المجاز العرفي: فمثاله: احتجاج المالكية على ان الظهار يلزم السيد في أمته، بقوله تعالى: ﴿والذين يظهرون من نسائهم﴾ الاية، والأمة من نسائنا.
[ ٥١٨ ]
فتقول الشافعية والحنفية: هذا اللفظ، مخصوص في العرف بالزوجات، ولذلك قال تعالى: ﴿قل لأزواجك وبناتك ونساء المؤمنين يدنين عليهن من جلابيبهن﴾ والمراد بنساء المؤمنين: الحرائر بالاتفاق.
وأيضا، فإن امرأة فلان، مخصوصة في العرف بزوجته، ولا يتناول في العرف أمته، ونساء المؤمنين، دال على مدلول جمع المرأة، وإن كان من غير لفظه، ولذلك استغني به عن جمع المرأة.
والجواب عند المالكية: إن الظهار كان طلاقا في الجاهلية، فكان مخصوصا بالزوجات، فلما نسخ ورجع إلي تحريم الاستمتاع، وكان الاستمتاع عاما في الزوجات، والاماء قبلت الأمة التحريم بالظهار، كما تقبله الزوجة، ولذلك كان التحريم عامًا في الحرائر والإماء.