اعلم أن الرواي لابد أن يكون عدلا، ضابطا، فلنتكلم في العدالة
[ ٣٢٢ ]
أولا، وثانيًا في الضبط.
اعلم أن القدح في عدالة الراوي إما فيما يتعلق بالحديث نفسه، وإما مطلقا.
فأما ما يتعلق بالحديث نفسه فمنه.
ما إذا أنكر الأصل رواية الفرع، كما إذا احتج أصحابنا على افتقار النكاح إلى ولي بقوله ﷺ: أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل، الحديث.
[ ٣٢٣ ]
فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا الحديث يرويه ابن جريج عن سليمان بن موسى عن ابن شهاب الزهري، قال ابن جريج: سألت
[ ٣٢٤ ]
عن ابن شهاب حين لقيته، فقال: لا أعرفه، والراوي إذا أنكر ما روى لم يحتج به كالشهادة.
[ ٣٢٥ ]
والجواب عند أصحابنا: أن الأصل لم يصرح بتكذيب الفرع، فإذا روى عنه العدل وجب العمل بما روى، ولا يضر نسيان المروي عنه، وقد جرت عادة المحدثين بأن يروى الأصل عن الفرع عن الأصل نفسه إذا نسي الأصل.
وقد أفرد في ذلك الدارقطني.
[ ٣٢٦ ]
جزءا.
نعم إذا صرح الأصل بتكذيب الفرع علمنا أن أحدهما كاذب، ولكن ذلك لا يقدح في رواية كل منهما غير هذا الحديث لعدم تعين الكاذب على ما تحقق في أصول الفقه.
وإنما كان نسيان الأصل قادحًا في شهادة الفرع في باب الشهادة لضيق باب الشهادة، ولذلك اعتبر فيها العدد والحرية
[ ٣٢٧ ]
والذكورية ولم يعتبر شيء من ذلك في الرواية.
والتحقيق فيه أن الأصول في الشهادة استنابوا الناقلين عنهم فيما يجب عليهم من أداء الشهادة عند القاضي، ومن الجهل بأصل الشهادة لا يمكنهم أن يستنيبوا غيرهم في الأداء، بخلاف الرواية فإن الراوي لم يستنبه المروي عنه فيما روى، وتمام هذا في الفقه.
ومن ذلك ما انفرد العدل بالزيادة وكان قد روى الحديث جماعة ولم يذكروا تلك الزيادة، مثل ما احتج أصحابنا على أن زكاة الحرث يعتبر
[ ٣٢٨ ]
فيها النصاب بخمسة أوسقق بما روى أن رسول الله ﷺ قال: فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر، إذا بلغ خمسة أوسق.
[ ٣٢٩ ]
فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذه الزيادة لم تثبت في الحديث، فإن الجماعة الذين رووا هذا الحديث، كلهم لم يذكروها فأوجب ذلك ريبة في روايها.
والجواب عندنا: أن الزيادة ما لم تقطع الجماعة بعدمها - لم تتعارض روايتهم ورواية من زاد، وإنما يمكن القطع إذا اتحد المجلس وكانوا جميعا - بحيث لا يغيب عنهم شيء يمكن أن يسمعه غيرهم، وعلى هذا لا ريبة في الحديث.
وأما الاعتراض المطلق في العدالة فمن ذلك:
[ ٣٣٠ ]
أن يبين في الراوي أنه كذاب، أو متروك الحديث، كما احتج أصحابنا على عدم مشروعية جلسة الاستراحة بما روى: أن رسول الله ﷺ كان ينهض في الصلاة على صدور قدميه.
فيقول أصحاب الشافعي: هذا الحديث يرويه خالد بن إلياس
[ ٣٣١ ]
بإسناده عن أبي هريرة، وخالد متروك عند أهل الحديث.
والجواب: أن الحديث الذي احتججنا به لم نروه من طريق خالد عن أبي هريرة، بل من طريق آخر، فقد رواه الأعمش بأسانيد عن ابن
[ ٣٣٢ ]
مسعود وابن عمر وابن عباس وغيرهم.
فإن تعين أن الحديث له ذلك الراوي، ولم يرو عن غيره لم يصح الاحتجاج به.
[ ٣٣٣ ]
مثل ما إذا احتج أصحاب أبي حنيفة على وجوب المضمضة والاستنشاق في الغسل من الجنابة بما روى أن رسول الله ﷺ قال: المضمضة والاستنشاق فريضتان في الغسل من الجنابة ثلاثا.
فيقول أصحابنا: هذا الحديث لا يروي إلا من طريق بركة بن محمد، كذلك قال الدارقطني، قال وكان يضع
[ ٣٣٤ ]
الحديث.
ومن ذلك أن يقدح في دينه مطلقا.
مثل: ما يحتج أصحابنا على سقوط قراءة الفاتحة وغيرها عن المأموم، بما روى أن رسول الله ﷺ قال: من اكان خلف الإمام فقراءة الإمام له قراءة.
فيقول أصحاب الشافعي: هذا الحديث يرويه جابر الجعفي وكان
[ ٣٣٥ ]
يقول بالرجعة فلا يحتج بحديثه.
والجواب عند أصحابنا: إنا نروي هذا الحديث من غير طريق جابر الجعفي وهو طريق أبي حنيفة عن موسى بن أبي عائشة عن
[ ٣٣٦ ]
عبد الله بن شداد عن جابر بن عبد الله.
ومن ذلك: الجهل بعدالة الراوي، وهو المجهول الحال.
[ ٣٣٧ ]
مثل: ما إذا احتج أصحابنا في أحد قولي المدونة على جواز استقبال القبلة لساتر من غير ضرورة بما روى خالد بن أبي الصلت بإسناده عن عائشة أنها قالت: ذكر لرسول الله ﷺ أن قومًا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم، فقال: استقبلوا بمقعدتي القبلة، وهو خاص بالبنيان.
[ ٣٣٨ ]
فيقول من خالف من أصحابنا وغيرهم: خالد بن أبي الصلت قال فيه أبو ثور إنه مجهول، والمجهول عندنا لا يحتج به.
[ ٣٣٩ ]
والجواب عند أصحابنا: أن نبين أنه معروف الحال ثقة، فإنا لثقات الذين لا يروون إلا عن عدل قد رووا عنه كمبارك بن فضالة، وواصل مولي أبي عيينة، وغيرهم. فإن أمكن رواية الخبر عن رجل
[ ٣٤٠ ]
آخر معروف فلأصحابنا أن يجيبوا بذلك واعلم أن المجهول الحال قد اختلف أهل الأصول في قبول روايته، والمسألة مشروحة في علم الأصول.
[ ٣٤١ ]