ومثاله احتاج أصحابنا على أن الاعتكاف لا يصح إلا بصوم، بما روت عائشة عن النبي ﷺ أنه قال: لا اعتكاف إلا بصوم".
[ ٣٥٧ ]
فيقول أصحاب الشافعي: هذا موقوف على عائشة، وقد قال البيهقي، لا يصح رفعه إلى النبي ﷺ.
والجواب عند أصحابنا: أن الحديث رواه عطاء عن عائشة
[ ٣٥٨ ]
موقوفًا ورواه الزهري عن عروة عن عائشة مرفوعًا، وإذا ثبت
[ ٣٥٩ ]
رفعه إلى النبي ﷺ من طريق فلا يضر وقفه من طريق آخر، ويحتمل أن يكون في طريق الوقف فتيا.
ومما يختلف في كونه مسندًا إلى النبي ﷺ أن يقول الراوي: مضت السنة بكذا، أو من السنة كذا، ومثاله احتجاج أصحابنا على وجوب الفرقة بين المتلاعنين بما روى عن سهل بن سعد الساعدي أنه
[ ٣٦٠ ]
قال: "مضت السنة أن يفرق بين المتلاعنين.
ومثل احتجاج أصحابنا على مشروعية القنوت في صلاة الصبح يقول ابن مسعود: القنوت في الصبح سنة ماضية".
[ ٣٦١ ]
فيقول المخالف: يحتمل أن يكون هذا من سنة النبي ﷺ، ويحتمل أن يكون من سنة من بعده.
والجواب عند اصحابنا أن سنة النبي ﷺ أصل السنن، فكانت أولى عند الإطلاق أن يحمل كلام الراوي عليها.
وأدخل من ذلك في باب الإسناد أن يقول الراوي: أمر النبي ﷺ بكذا، أو نهى عن كذا، أو قضى بكذا، كما روي: أن النبي صلى لله عليه وسلم أمر بتشفيع الأذان، و"نهى عن
[ ٣٦٢ ]
بيع الغرر"، وقضى بالشفعة للجار.
فيقول المخالف: لم ينقل الراوي لفظ النبي ﷺ فيحتمل أن لا يكون فيه دليل لو نقله.
والجواب: أن ظاهر عدالة الراوي ودينه يمنع من ذلك، والتقديرات المتوهمة لا تقدح في ظهور الدلالة.
ومن ذلك ما يتضمن الإسناد باللزوم، كما روى عن عمار بن ياسر.
[ ٣٦٣ ]
أنه قال: من صام يوم الشك فقد عصى أبا القاسم، ففي ضمن ذلك أن النبي ﷺ نهي عن صوم يوم الشك، لأن العصيان لا يكون إلا بفعل ما نهي النبي ﷺ عنه، أو بترك ما أمر به.
[ ٣٦٤ ]