مثالها: احتجاج الحنفية وبعض أصحابنا على جواز انعقاد النكاح بلفظ الهبة، بقوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾ وإذا جاز
[ ٤٥٤ ]
انعقاد نكاح النبي ﷺ بلفظ الهبة جاز انعقاد أنكحة الأمة به بالقياس عليه.
فيقول أصحاب الشافعي: لما قال الله تعالى: ﴿خالصة لك من دون المؤمنين﴾ دل ذلك على اختصاصه ﷺ بشيء دون المؤمنين، فيحتمل أن يكون ذلك الشيء هو جواز النكاح بلا مهر، ويحتمل أن يكون ذلك جواز انعقاد نكاحه بلفظ الهبة، وإذا كان اللفظ محتملا للمعنيين لم يصح القياس حتى يترجح أن المراد بالاختصاص هو ملك البضع من غير عوض لا جواز النكاح بلفظ الهبة.
فيقول الأولون: سياق الاية يرجح أن المراد ملك البضع وذلك: أن الآية سيقت لبيان شرفه ﷺ على أمته ونفي الحرج عنه، ولذلك قال تعالى: ﴿قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم وما ملكت أيمانهم لكيلا يكون عليك حرج﴾، ولا شك أن الشرف لا يحصل بإباحة لفظ له وحجره على غيره، إذ ليس في ذلك شرف، بل إنما يحصل
[ ٤٥٥ ]
الشرف بإسقاط العوض عنه حتى يكون تعالى ذكر لنبيه ﷺ ثلاثة أنواع من الإحلالات:
إحلال نكاح بمهر، وهو قوله تعالى: ﴿إنا أحللنا لك أزوجك التي ءاتيت أجورهن﴾.
وإحلال بملك اليمين، وهو قوله تعالى: ﴿وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك﴾.
وإحلال بلا مهر بل بتمليك مجرد وهو قوله تعالى: ﴿وامرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي﴾.
وأيضا فالحرج المقصود نفيه من الاية إنما يكون بإيجاب العوض عليه لا بحجر لفظ عليه يؤدي المعنى المطلوب دونه ألفاظ كثيرة أسهل منه، فهذا السياق كله يدل على أن المراد بالخلوص هو: ملك البضع من غير مهر لا اللفظ.
والقرائن الحالية قريبة من السياقية وهي لا تنضبط.