اعلم أن الأصوليين قد اختلفوا في قبول أخبار الآحاد جملة، فإذا استدل المستدل على حكم من الأحكام بخبر الآحاد، فإن للمعترض أن يمنع قبول أخبار الآحاد.
والجواب عن ذلك: ما ثبت في أصول الفقه.
[ ٣١١ ]
ومن ذلك: ما يعترض به في رد خبر معين، كما إذا احتج أصحابنا على اشتراط الولي في النكاح بقوله ﷺ: «لا نكاح إلا بولي»، وعلى أن من مس ذكره انتقض وضوءه بقوله ﷺ: «من مس ذكره
[ ٣١٢ ]
فليتوضأ»، وعلى أن النبيذ حرام، بقوله ﷺ" «كل مسكر حرام».
فيقول الحنفي - وهو المخالف في هذه المسائل الثلاث -: هذه
[ ٣١٣ ]
الأحاديث لا تصح، فإن ابن معين قد قال: «ثلاثة لا يصح فيها عن النبي ﷺ شيء: «لا نكاح إلا بولي»، و«من مس ذكره فليتوضأ»، و«كل مسكر حرام».
والجواب عندنا: أن مثل هذا لا يرد به الأحاديث إذا أتى على
[ ٣١٤ ]
شروطه، لأن سبب الرد لم يبينه ابن معين، ولعل له فيه مذهبًا لا يساعد عليه.
ومن ذلك، اعتراض أصحاب أبي حنيفة بعدم التواتر فيما تعم به البلوى، فإن مذهبهم أن التواتر شرط فيما تعم به البلوى.
كما إذا احتج أصحابنا وأصحاب الشافعي على وجوب الوضوء من مس الذكر بحديث بسرة: أن رسول الله ﷺ قال: «من مس ذكره
[ ٣١٥ ]
فليتوضأ».
فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا خبر واحد فيما تعم به البلوى، وما تعم الحاجة إليه ينبغي أن يكثر ناقلوه ويتواتر، لعموم الحاجة إليه، فإذا لم يتواتر فهو باطل.
وكذلك إذا احتج أصحاب الشافعي وابن حبيب من أصحابنا على
[ ٣١٦ ]
أن المتبايعين لهما الخيار في إمضاء البيع وفسخه ما داما في المجلس بقوله ﷺ: «المتبايعان بالخيار ما لم يفترقا إلا بيع الخيار».
فيقول أصحاب أبي حنيفة: هذا خبر واحد فيما تعم به البلوى، فلا يقبل.
والجواب عندنا وعند أصحاب الشافعي: أن خبر الواحد عندنا مقبول مطلقا كما تقرر في أصول الفقه، وإنما لم نقل نحن بالخيار لأن العمل عندنا مقدم.
ومن ذلك أن يطعن أحد من السلف في الخبر بأمر لا يتعلق بالرواية وإنما هو نظر عقلي قياسي.
[ ٣١٧ ]
كما إذا احتج الجمهور على مشروعية غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء بقوله ﷺ: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا.
فيقول المخالف: (هذا الحديث قد أنكره ابن عباس،
[ ٣١٨ ]
ولذلك لما بلغه وسمعه قال: (أرأيت لو كان توضأ في مهراس).
[ ٣١٩ ]
وكذلك احتجاج أصحابنا وأصحاب الشافعي بحديث سهل بن أبي حثمة في قصة حويصة ومحيصة، وفيه أن رسول الله ﷺ قال لهم
[ ٣٢٠ ]
حين أنكرت يهود: تحلفون خمسين يمينا وتستحقون دم صاحبكم أو قاتلكم، الحديث، فبدأ فيه بأيمان المدعين قبل أيمان المدعي عليهم، فيقول أصحاب أبي حنيفة، وهذا الحديث قد أنكره عمرو بن شعيب،
[ ٣٢١ ]