اعلم أن الكلام في النهي منحصر في مقدمة، ومسألتين إذ هما أهم مسائله.
أما المقدمة فهي: في حد النهي وصيغته.
أما حده فهو: القول الدال على طلب الامتناع من الفعل على جهة الاستعلاء.
وأما صيغته فهي: ﴿لا تفعل﴾ وقد استعملت في اللغة في ستة، معان: منها: النهي كقوله تعالى: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى.
[ ٤١٢ ]
ومنها الدعاء، كقوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به﴾ ومنها: بيان العاقبة، كقوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون﴾.
ومنها: اليأس، كقوله تعالى: ﴿لا تعذروا﴾.
ومنها الإرشاد كقوله تعالى: ﴿لا تسئلوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ ومنها: التحقير كقوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجنا منهم زهرة الحيوة الدنيا﴾.
وهي حقيقة في النهي إجماعًا، ومجاز في غيره، فلذلك لا تخرج عن معنى النهي إلا لقرينة.
[ ٤١٣ ]
واعلم أن الأصوليين القائلين بأن تقدم التحريم قبل صيغة الأمر ثرينة تصرف الصيغة عن معنى الأمر اختلفوا في تقدم الوجوب قبل صيغة النهي:
فمنهم من يرى أن تقدم الوجوب قرينة تصرف الصيغة عن معنى النهي، كما أن تقدم التحريم قرينة تصرف الصيغة عن معنى الأمر.
ومنهم من لا يرى تقدم الوجوب قرينة، بل قد نقل الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، الإجماع على أن تقدم الوجوب لا يكون قرينة تصرف الصيغة عن معنى النهي.
[ ٤١٤ ]
والحق أن في ذلك خلافًا.
ومثاله قوله تعالى: ﴿فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلا﴾ بعد قوله: ﴿فعظوهن واهجروهن في المضاجع واضربوهن﴾، والمراد بهذه الصيغة النهي بلا خلاف.
وفي معنى النهي بعد تقدم الأمر قوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر﴾ إلى قوله: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد﴾ فإن الثابت بعد أخذ الجزية تحريم قتالهم بعد تقدم وجوبه.
وإذا تمت هذه المقدمة فلنتكلم في المسألتين: