في غيره، وحمل اللفظ على الغالب أرجح فهذا تمام المقدمة فلنتكلم على المسائل.
المسألة الأولى: اختلفوا في الأمر المطلق، هل يقتضي الوجوب أو الندب أو غير ذلك اختلافًا كثيرًا، وعلى ذلك اختلافهم في مسائل كثيرة من الفقه.
[ ٣٧٥ ]
فمن ذلك اختلافهم في الإشهاد على المراجعة، هل هو واجب أو لا؟
فالقائلون بالوجوب وهم الشافعية يحتجون بقوله تعالى: ﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم﴾ والمراد بالإمساك: المراجعة، فالإشهاد على المراجعة مأمور به، والأمر يقتضي الوجوب.
فيمنع المخالف كون الأمر مقتضيا للوجوب.
وكذلك احتجوا على وجوب التكبير عند الإحرام بقوله ﷺ للأعرابي: إذا قمت إلى الصلاة فكبر، فهذا أمر، والأمر للوجوب،
[ ٣٧٦ ]
فيمنع المخالف ذلك.
وبسبب الخلاف في كون الأمر للوجوب أو للندب، اختلف أصحابنا في غسل الإناء من ولوغ الكلب سبعًا، هل هو واجب أو مندوب إليه من قوله ﷺ: إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا.
وقد ذهب أبو بكر الأبهري من أصحابنا إلى أن أوامر الله تعالى
[ ٣٧٧ ]
تقتضي الوجوب، وأوامر رسول الله ﷺ تقتضي الندب، والمحققون يرون جميعها للوجوب، ويحتجون على ذلك بأن تارك المأمور به عاص كما أن فاعله مطيع وقد قال تعالى: ﴿أفعصيت أمري﴾، وقال: ﴿ولا أعصى لك أمرا﴾ وقال: ﴿لا يعصون الله ما أمرهم﴾ وإذا كان تارك المأمور عاصيًا كان مستحقا للعقاب سواء كان ذلك في أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله ﷺ لقوله تعالى: ﴿ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم﴾، وقد قال تعالى في أمر رسوله ﷺ: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾، وقد امتنع ﷺ عن الأمر بالسواك
[ ٣٧٨ ]
لأجل المشقة فقال: لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك، مع أن السواك مندوب إليه، فلو كان أمره للندب لما امتنع منه.