هو أبو عبد الله محمد الطيب بن محمد بن عبد القادر الفاسي.
اختلف في سنة ولادته فذكر أنها كانت سنة أربع وستين وألف، وذكر أنها كانت سنة ثمان وستين وألف أي أربع سنوات بعد ذلك (^١).
والمرجح هو الأول نقلا عن نشر المثاني لأنه قال في علاقة الشيخ محمد الطيب بجده «. . . فقد أدركه بالسن نحو خمس وعشرين سنة» (^٢). فإذا علمنا أن وفاة الشيخ عبد القادر كانت في رمضان سنة واحد وتسعين وألف فإن الحاصل من ذلك ما رجحناه.
وقد كان والده يؤمل أن يكون خليفته من بعده، بل إنه قد أقامه بالزاوية مقامه في حياته. ولكن قدر الله تعالى أن يكون الوالد هو الذي يخلف ولده، فقد توفي سيدي محمد الطيب ليلة الخميس تاسع عشر ربيع الثاني سنة ثلاث عشرة ومائة، ودفن بصدر زاوية جده الشيخ عبد القادر.
وخرج والده بسبب ذلك من عزلته وعاد لمكانه في زاويته.
وقد نشأ سيدي محمد الطيب بزاوية جده، وكان من ملحقاتها كتاب لتحفيظ القرآن تلقى به تعليمه الأولي في جملة أقرانه. حيث «جود القرآن
_________________
(١) عناية أولي المجد: ص ٤٦.
(٢) نشر المثاني: ٢/ ٨٧.
[ ٤٨ ]
تجويد أهل الضبط والإتقان» (^١).
ثم أكب على الدراسة والتحصيل، وتلقى عن شيوخ العصر بزاوية جده وبجامع القرويين مختلف العلوم. ولا يمكنني أن أفصل ذكر شيوخه الذين أخذ عنهم قبل العثور على فهرسته الخاصة المنظومة التي تأتي الإشارة إليها ضمن آثاره، ولكنني أذكر شيوخه الذين اقتصر على ذكرهم مترجموه، وهم: جده الشيخ عبد القادر. ووالده شيخ الجماعة الفقيه العلامة الحافظ سيد محمد - بالفتح - (١٠٤٢ - ١١١٦ هـ) (^٢)، وعمه الفقيه العلامة الحافظ الموسوعي أبو زيد عبد الرحمن (١٠٤٠ - ١٠٩٦ هـ) (^٣)، وابن عم والده الفقيه العلامة العارف أبو عبد الله محمد المهدي بن أحمد بن علي بن يوسف الفاسي (١٠٣٣ - ١١٠٩ هـ) (^٤)، والفقيه العلامة
_________________
(١) عناية أولي المجد: ص ٤٦.
(٢) من مصادر ترجمته: المنح البادية: ٢/ ١٥٣، ابتهاج القلوب: ص ٣٣٣، وصفوة من انتشر: ص ٢١٥، ونشر المثاني: ٣/ ١٥١، التقاط الدرر: ص ٢٩٢، عناية أولي المجد: ص.٤٨، سلوة الأنفاس: ١/ ٣١٦.
(٣) من مصادر ترجمته: المنح البادية لولده محمد الصغير: ٢/ ١٥٧، وصفوة من انتشر: ص ٢٠٢، ونشر المثاني: ٢/ ٨٨، وعناية أولي المجد: ص ٤٣، وسلوة الأنفاس: ١/ ٣١٦. ومن المؤلفات الحديثة في ترجمته مؤرخو الشرفا: ص ١٨٧، النبوغ المغربي: ص ٢٨٥، الحياة الأدبية بالمغرب على عهد الدولة العلوية: ص ١١٤، ومقال: العالم الموسوعي أبو زيد عبد الرحمن الفاسي للأستاذ الوزير محمد الفاسي: مجلة المناهل، العدد ٣٥. ومقدمة المحقق لكتابه تحفة الأكابر الحسن الويشمي مع الملحق الخاص بمؤلفات الشيخ عبد الرحمن بآخر التحقيق.
(٤) من مصادر ترجمته: كتاب «جلاء القلب القاسي بمحاسن سيدي المهدي الفاسي» لأحمد بن عبد الوهاب الوزير الغساني. نشر المثاني: ٢/ ٨٠، والتقاط الدرر: ص -
[ ٤٩ ]
المحدث الرحالة أبو سالم عبد الله بن محمد بن أبي بكر العياشي (١٠٣٧ - ١٠٩٠ هـ) (^١).
وقد نبغ الشيخ محمد الطيب في أقرب مدة، حتى لقد نال مكانة سامية بين العلماء في حياة شيوخه، وتصدر - كما ذكرنا - زاوية جده في حياة والده وغيره من علماء أسرته.
قال القادري: «وكان له درس حفيل في التفسير والحديث والفقه، قام فيه مقام أبيه مدة» (^٢) من سبع سنين إلى حين وفاته. وقد ذكر السلطان مولاي سليمان دروس الشيخ محمد الطيب بما يقرب من ذلك، فقال في تعداد خصاله: «. . . وحسن التعبير في الإلقاء، والجمع بين البراعة والتحقيق في التدريس والتأليف والإفتاء» (^٣).
ونوه مترجموه بمكانته العلمية ومن ذلك قول القادري في نشر المثاني:
«كان صاحب الترجمة علامة حافظا متقنا» (^٤). وقال في التقاط الدرر: «من
_________________
(١) = والصفوة: ص ٢١١، وعناية أولي المجد: ص ٤٤، وسلوة الأنفاس: ٢/ ٣١٦، ومن المحدثين مؤرخو الشرفا: ص ١٩٢، وشجرة النور الزكية: ص ٣٢٨.
(٢) من مصادر ترجمته: كتاب «الثغر الباسم في جملة من كلام أبي سالم» لأبي عبد الله محمد بن حمزة العياشي، مخطوط الخزانة العامة برقم: ٣٠٤ ك، وفهرسته: مخطوط الخزانة العامة بالرباط رقم: ٥٨٣ ك، ورحلته «ماء الموائد» وقد طبعت على الحجر بفاس، ثم أعيد طبعها بالأوفست، وقدم تحقيقها رسالة لنيل الدكتوراه بكلية الآداب بفاس. والمنح البادية: ٢/ ١٦٢، ونشر المثاني: ٢/ ٢٥٤، والتقاط الدرر: ٢٦٠.
(٣) التقاط الدرر: ص ٢٨٢.
(٤) عناية أولي المجد: ص ٤٦.
(٥) ٢/ ٨٧.
[ ٥٠ ]
أعاجيب الزمان في التحقيق والإتقان والمشاركة وتحرير النوازل» (^١). وقال المولى سليمان: «صار رأس المحققين، وقدوة المدققين، علامة حافظا، متبحرا، متقنا ماهرا في العربية، متضلعا بالفقه، والحديث، والأصول، والبيان، والمنطق، والتصوف، بصيرا بالتاريخ، وملح النوادر، مع الإقدام في حل المشكلات، وفهم المعضلات» (^٢)
وقد تلقى عنه في مدة تدريسه عدد من العلماء الأعلام منهم أبو محمد عبد السلام بن الطيب القادري الحسني (١٠٥٨ - ١١١٠ هـ)، وأبو عبد الله محمد بن عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي (١٠٥٨ - ١١٣٤ هـ)، وأبو العباس أحمد بن العربي ابن سليمان الأندلسي (ت ١١٤١ هـ)، وأبو عبد الله محمد بن عبد السلام بناني (ت ١١٦٣ هـ)، وأبو العباس أحمد بن محمد بن عبد القادر الفاسي (١٠٩٣ - ١١٦٤ هـ)، وأبو عبد الله محمد بن قاسم جسوس (١٠٨٩ - ١١٨٢ هـ).
وأما في حياته العامة بين الناس فقد «كان صدرا في الرأي، رحب الجانب في الوجاهة، محبوبا عند الخاصة والعامة، ذرب اللسان مع حسن التأدية» (^٣).
وقد عرف بهذه الصفات وانتشر ذكره، حتى انتدب لمهمات جسيمة عرضت في عصره، ومن ذلك مسألة الحدود الشرقية للدولة المغربية. قال
_________________
(١) عناية أولي المجد: ص ٤٦.
(٢) ص ٢٨٢.
(٣) عناية أولي المجد: ص ٤٦.
[ ٥١ ]
السلطان مولاي سليمان: «اختاره سلطان وقته أمير المؤمنين مولانا أبو النصر إسماعيل بن الشريف ﵁ للسفارة في عقد الصلح مع عظيم الأتراك، فسافر للجزائر حدود ثلاثة ومائة وألف، بعد وقعة المشارع، وكان في صحبة ابن السلطان المذكور وهو مولانا أبو مروان عبد الملك، والكاتب البارع الأرفع أبو عبد الله الوزير الغساني، وغيرهما من وجوه الدولة الإسماعيلية. فعاد عنه محمود العواقب، فائزا من الوطر بملء الحقائب» (^١).