بكر الشيخ عبد القادر في الأخذ عن أكابر شيوخ عصره، واعتنى بتوثيق جميع مروياته، وتأخرت وفاته بالنسبة لجل أقرانه، فلا غرو أن يكون الإسناد عنه من أعلى وأضبط ما يوجد في عصره.
وقد اتسعت دائرة مشاركته العلمية رواية ودراية فاعتنى بالأخذ من كل فن بطرف. وكان عناية أهل عصره منصبة على الفقه دون غيره لأنه كان طريقا لتقلد الوظائف، وتسنم المراتب. فلما نشطت الحركة العلمية
_________________
(١) تحفة الأكابر: ١/ ٩٣.
(٢) لينظر التحقيق التاريخي الجيد في الواقعة ضمن كتاب «ناطح صخرة» ص ٤٣ وما بعدها.
(٣) تحفة الأكابر: ١/ ١١١.
[ ٤١ ]
واحتيج إلى غيره من الفنون احتيج إلى ما عنده منها.
قال الشيخ محمد بن القاسم جسوس: «. . . وكانت له القدم الراسخة في كل فن من الفنون سيما علم الفقه والتفسير والحديث وعلم المعرفة بالله تعالى المؤيد بالكتاب والسنة، وإليه كان المرجع فيه، وكان مواظبا على قراءة الحديث والتصوف. وكان إذا تكلم في علوم الرقائق والآداب يغشاه وأهل مجلسه من الحسن والنور والبهاء ما يشهد لتخلقه بتلك الأحوال. . .» (^١).
وقال تلميذه أبو العباس أحمد بن جلال: «كل من يحسن النحو بفاس، ويزعم أنه أخذه عن غير سيدي عبد القادر فهو كاذب» (^٢). وقال في موضع آخر: «مارسنا العلماء فكان إذا أشكل علينا شيء في المحلي أو السعد، أتينا شيخنا أبا العباس بن عمران فسألناه، فيأخذ الكتاب من أيدينا، فيتأمله ويجيبنا. وإذا أتينا سيدي عبد القادر سألناه، فلا يأخذ كتابا ولا ينظر فيه، ويجيبنا على البديهة» (^٣).
ومن أجل ذلك كله، فلا جرم أن يكثر طلبته والمتخرجون على يديه، وأن يقصده العلماء فمن دونهم رغبة في إجازته والرواية عنه.
ولا أجد في هذا المجال متنفسا لذكر تلاميذه ولا للتنويه بمكانتهم في العلم والفضل والدين. وقد كتب ولده الشيخ عبد الرحمن كتابا خاصا في
_________________
(١) تحفة الأكابر: ١/ ٨٦.
(٢) شرح فقهية الشيخ عبد القادر الفاسي: ص ٤.
(٣) نفسه: ١/ ٨٦.
[ ٤٢ ]
الموضوع سماه «ابتهاج البصائر فيمن أخذ عن الشيخ عبد القادر». وجاء ذكر عدد منهم في استدعاءات إجازته. ومنها إجازته لعلماء المدينة المنورة على ساكنها أطيب الصلاة وأزكى التسليم وعلى آله وصحبه ومتبعيه، وهي المسماة «استنزال السكينة بتحديث أهل المدينة». ومنها إجازته للشيخ الإمام أبي علي الحسن اليوسي (^١). ومنها إجازته للشيخ أبي سالم العياشي، ومن شملهم استدعاؤه من المغاربة والمشارقة. وفي ضمنها إجازة ولديه الإمام الحافظ أبي زيد عبد الرحمن، والإمام الحافظ شيخ الإسلام أبي عبد الله محمد.
وقد ورد ذكر عدد هام من تلاميذه في كتاب «ناطح صخرة» للشيخ محمد العابد الفاسي (^٢).