كانت تنتظر الشيخ عبد القادر بعد التخرج مدرسة أخرى اختص بها، ومهمة أنيط بها، واقتضت منه أن يلازم فاس إلى أن توفي بها رحمة الله عليه.
يقول ولده: «. . . فلما أكمل القراءة، طولب بالرجوع إلى وطنه، بعد كتب الإجازة عن شيخه ابن أبي النعيم، وأستاذه عم أبيه وذلك في جمادى الأولى سنة اثنين وثلاثين وألف. فقال له الشيخ [يعني سيدي عبد الرحمن العارف عم أبيه]: «لو كنت وحدك ما أطلقتك ولكن سر». فلما وصل بعث إليه بالفور يأتيه وحده. فاختص به، وكان يطالع معه سائر يومه، وربما يخرج ليلا بحسب ما يحدث له من حال فيبثه» (^١). ثم «. . . قام مقامه بعده مدرسا في مكانه وإماما بزاويته» (^٢).
ورغم ما أقامه فيه شيخه على رأس الزاوية فإن الشيخ عبد القادر لم ينهض بدعوى المشيخة، بل صاحب سيدي محمد بن عبد الله معن
_________________
(١) تحفة الأكابر: ١/ ١١٤. ونصه: «. . . ويبتدئ البخاري بزاوية الشيخ سيدي محمد بن عبد الله في نصف جمادى الأولى كل عام، ويختمه آخر رمضان لليلة القدر».
(٢) نفسه: ١/ ٧٠.
[ ٣٥ ]
(ت ١٠٦٢ هـ) (^١) رفيقه في الأخذ عن شيخهما على خير ما اجتمع عليه الأصحاب.
ولم تتخلل حياة الشيخ عبد القادر أحداث ينبغي التنويه بها، ولم يتقلد منصبا ولا خطة (^٢)، ولا خاض في شيء من أمور الدنيا بسبب. «كان الشيخ الإمام سيد محمد بن أبي بكر المجاطي يقول فيه: الشاب التائب، العالم الزاهد، من أول أمره. لا يبالي بإقبال الدنيا ولا بإدبارها، كلما أقبلت أعرض عنها مستوحشا من خطور غير الله تعالى بباله، صحيح المعاملة مع ربه، وهو يأتيه بها راغمة ويغنيه به عنها وعن أسبابها، ما تناول قط خطة، ولا بنى ولا غرس» (^٣).
وقد كان «. . . يقسم أوقاته على ثلاثة: إما صلاة، أو ذكر، أو تعليم علم» (^٤). و«كان ديدن الشيخ في زمانه غالبا قراءة القرآن، فكان يقرؤه ليلا ونهارا قائما وقاعدا ومصليا. وكان ديدنه في آخر عمره التسبيح وتعليم العلم لا يفتر عن ذلك» (^٥).
ولم يثبت عنه أنه كان يتقاضى عن الوظائف التعليمية ما كان مخصصا لها من ريع الأحباس، قال سيدي محمد بن جعفر الكتاني الحسني: «كان
_________________
(١) كتب في ترجمته سيدي عبد الرحمن بن عبد القادر الفاسي كتابا خاصا توجد منه نسخ خطية متعددة إحداها بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم: ٢٠٧٤ د. .
(٢) تقدم هنا بأن الفتوى في المغرب لا تعد من الخطط، وإنما هي عمل تطوعي.
(٣) تحفة الأكابر: ١/ ٩١.
(٤) نفسه: ١/ ٨٩.
(٥) نفسه: ١/ ١١٤.
[ ٣٦ ]
زاهدا في الدنيا، معرضا عنها كل الإعراض. لا يأكل الأحباس، ولا يلتفت لما في أيدي الناس، بل كان يعرض عليه التجار العطايا الجزيلة، فلا يقبلها» (^١).
وقال أبو عبد الله محمد الصغير اليفرني: «. . . ولما دخل مولانا الرشيد فاس أفاض المال على علمائها وغمرهم بجزيل العطايا» (^٢). وقد أرسل لسيدي عبد القادر في جملتهم بنصيب وافر فقال: «قولوا له يشغل نفسه بغيري، فالذي رزقني من المهد إلى أن ابيضت لحيتي هو يرزقني» (^٣).
أما كيف كان يتعيش مع الزهد في جميع ما ذكر، فقد «اتخذ نسخ كتب الحديث وما في معناه حرفة وعبادة، فنسخ نسخا عديدة من صحيحي البخاري ومسلم، ومن الشفا، والشمائل، والشهاب، ودلائل الخيرات، وسيرة ابن سيد الناس، وغير ذلك. وكان أكثر ما يكتب الصحيحين مع إدمان قراءتهما بزاويته» (^٤).
قال سيدي عبد الرحمن: «. . . فكانت حرفة الشيخ عبادة في عبادة في عبادة: كان يقصد نفع المسلمين، فيستعمل يده وجوارحه في ذلك تعبدا.
مع ما في أثناء ذلك من الذكر، والصلاة على النبي ﷺ، وما في تخليد ذلك كله في الكتاب، وإقامة النسخ المعتمدة، واكتساب الحلال، والجد
_________________
(١) سلوة الأنفاس فيمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس: ١/ ٣١٠.
(٢) روضة التعريف بمفاخر مولانا إسماعيل بن الشريف: ص ٣٨.
(٣) نشر المثاني: ٢/ ٢٧٥.
(٤) تحفة الأكابر: ١/ ١١٤.
[ ٣٧ ]
في القيام بمن عليه مؤونته، مع النية الصالحة» (^١).
وكان ينسخ ما يكتبه عن «كتب مسموعة مقروءة على الشيوخ الحفاظ مثل نسخة أبي عمران موسى بن سعادة المقروءة على الحافظ أبي علي الحسن بن محمد الصدفي بالنسبة إلى صحيح البخاري، ونسخة الحافظ ابن خير الأموي الفاسي المعتمدة بالمغرب والأندلس بالنسبة إلى صحيح مسلم. وكانت منتسخات الشيخ عبد القادر مفتتحة ومذيلة بعدة سماعات وإجازات ثابتة في الأصول مع المقابلة والتصحيح وتعداد ما عرف من الرواية» (^٢).
وأقدم فيما يلي نموذجا من إحدى نسخ صحيح البخاري بخط الشيخ سيدي عبد القادر الفاسي. وقد ذكر في هذا النموذج أن الأصل المنتسخ منه هو نسخة ابن سعادة التي كتبها بخطه:
_________________
(١) تحفة الأكابر: ١/ ١١٦.
(٢) ناطح صخرة: ص ٨٨.
[ ٣٨ ]