عايش الشيخ عبد القادر فترة تاريخية في غاية الاضطراب، وفتنا متعددة. كما عايش فجر الدولة العلوية والمخاض الذي صاحب استقرار حكمها. وما تسمح به النصوص التي بين أيدينا من تصوير مواقفه خلال ذلك كله يقدم لنا شخصية بارزة ومؤثرة، تتراوح بين الشدة واللين، ناضحة فيهما بالإحسان واليقين، والنصيحة للمسلمين.
وقد جلب عليه جهره بالحق وتمسكه بالشريعة، في مرحلة من مراحل الفتنة (^١) غاية الإساءة مع غاية الجهل، وبلغ ذلك حدا تعطلت من جرائه زاويته وأنشطتها. يقول ولده سيدي عبد الرحمن في هذا السياق: «. . . إلى أن أداهم الأمر أن يكثروا الضجيج وقت صلاته لكونه إماما بالناس، ويضربون الأبواب وقت إقرائه تشويشا وصرفا عنه، وهو لا يبالي. إلى أن آل الأمر إلى قطع التدريس، وضرر السامعين، وتعطيل المسجد» (^٢).
وقد ولت تلك الفتن، وعادت الزاوية إلى نشاطها عن قريب. وجنى الشيخ عبد القادر من صبره وحلمه خيرا، ومزيد تقدير.
وكذلك كان حاله في عهد الاستقرار منذ بدايته لا تنقص جرأته على
_________________
(١) كان ذلك في الفترة الفاصلة بين وفاة سيدي عبد الرحمن العارف ووفاة سيدي عبد الله معن أي ما بين سنة ١٠٣٦ هـ وسنة ١٠٦٢ هـ بدليل رسالة سيدي محمد في الموضوع، وبدليل كونه منتصبا للإمامة والتدريس بالزاوية وقد كان ذلك بعد وفاة سيدي عبد الرحمن.
(٢) تحفة الأكابر: ١/ ٩٨.
[ ٤٠ ]
قول الحق (^١) من أدبه وفقهه، ولا تنقص طاعته لولاة الأمر ولا توقيره لمناصبهم من طاعته لربه وامتثاله لأمره:
ومن ذلك أن أهل فاس امتنعوا من السلطان مولاي رشيد بحيث لم يدخلهما إلا بحيلة دبرها سيدي أحمد بن الشيخ عبد الرحمن العارف (^٢).
ودخلها حين دخلها وبه غضب شديد على أهلها. وتعرض الشيخ لمولاي رشيد لا يراه الناس إلا منفذا فيهم وعيده ومنتقما منهم شر انتقام. فخاطبه الشيخ قائلا: «مالك وللمسلمين وضررهم؟! إنما هم مغلوبون، لا يملكون مع من احتوى عليهم شيئا. فأي عقوبة عليهم ولا اختيار لهم؟!» فقال مولاي رشيد: «رجعنا عما عقدنا عليه» (^٣).