[والفقه: العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية] (^١).
(والفقه) لغة: الفهم (^٢).
واصطلاحا: (العلم)، أي: الظن القوي (^٣)، والمراد: التهيؤ القريب للظن (^٤)، وهو كون الشخص بحيث يعلم بالاجتهاد حكم كل مسألة من
_________________
(١) (الطرة): إنما تعرض المصنف لذكر تعريف الفقه لكون لفظه جزءا من أصول الفقه، ولا يمكن معرفة شيء إلا بعد معرفة أجزائه.
(٢) قال الإسنوي: «. . . لأن «فقيها» اسم فاعل من «فقه» بضم القاف، ومعناه صار الفقه له سجية، وليس اسم فاعل من «فقه» بكسر القاف، أي فهم، ولا من «فقه» بفتحها أي سبق غيره إلى الفهم لما تقرر في علم العربية أن قياسه «فاقه»، وظهر أن الفقيه يدل على الفقه وزيادة كونه سجية»: (نهاية السول: ١/من ٢٥ إلى ٢٧).
(٣) (بين السطرين): فيه مجاز قرينته قوله: «المكتسب من أدلتها التفصيلية».
(٤) (الطرة): لا يخفى ما في كلام هذا الشارح من التناقض والاضطراب، فإنه فسر العلم أولا ب «الظن القوي»، ثم قال: «والمراد التهيؤ القريب من الظن». فالصواب أن لو قال من أول وهلة: المراد بالعلم التهيؤ للظن القوي. والمراد ب «التهيؤ»: الملكة التي يصير بها قادرا على أن يعلم بالاجتهاد حكم. . . الخ. وإطلاق العلم على التهيئة والملكة حقيقة عرفية كما ذكره السعد وغيره، ورجع إليه هذا الشارح أخيرا. (المحقق): لعل المقصود (القريب من القطع) أو (من العلم)، وإيراد كلمة (الظن) هنا عن سهو، بدليل ما تستلزمه من التناقض مع ما ذكر قبلها، كما ذكر في الطرة.
[ ٨٩ ]
الحوادث الفقهية، لاستجماعه الأسباب والشروط، والمآخذ التي يتمكن من تحصيلها، ويكفيه الرجوع إليها في معرفة الأحكام.
وإنما حملنا العلم على الظن (^١)، لأن الفقه مستفاد غالبا من الأدلة الظنية، والمستفاد من الظني: ظني لا محالة.
* نعم، أحسن من هذه العبارة المحتوية على المجاز بدون قرينة (^٢)، تعبير بعض المحققين ب «التصديق» بدل «العلم» * (^٣).
(بالأحكام)، أي: جميع (^٤) النسب التامة، وهي القضايا التي يحسن السكوت عليها، إيجابية كانت أو سلبية.
وما حكي عن أبي حنيفة (ت ١٥٠ هـ) (^٥): أنه سئل عن ثمان مسائل فقال فيها: لا أدري؛ وعن مالك (ت ١٧٩ هـ) (^٦) أيضا، أنه سئل عن ثمان
_________________
(١) زاد هنا في (ب) و(د): (أي على التهيؤ)، ولا وجه لزيادتها.
(٢) (الطرة): لا معنى لقوله هنا: «المحتوية على المجاز بدون قرينة». أما أولا: فلا نسلم أنه مجاز أصلا لما عرفته، وعلى تسليمها فالقرينة موجودة، وهي قوله: «المكتسب من أدلتها التفصيلية» لأن غالبها ظني، كما قاله هو أيضا. وكيف يشتمل التعريف على المجاز الخالي من القرينة؟!
(٣) سقط ما بين العلامتين من (ج) و(د).
(٤) في غير الأصل: (بجميع).
(٥) الإمام أبو حنيفة النعمان بن ثابت بن زوطي (٨٠ - ١٥٠ هـ) أحد الأئمة الأربعة، من مصنفاته: الفقه الأكبر في التوحيد، ومسند في الحديث، والمخارج في الفقه، وقد أفردت كتب في مناقبه. ترجمته في: تهذيب الأسماء واللغات: ٢/ ٢١٦. الفتح المبين: ١/ ١٠١. معجم سركيس: ١/ ٢٠٣. تاريخ التراث العربي: ٢/ ٣١.
(٦) مالك بن أنس بن مالك بن أبي عامر بن عمرو الأصبحي المدني (٩٣ - ١٧٩ هـ) -
[ ٩٠ ]
وأربعين (^١) فقال في اثنين وثلاثين منها: لا أدري (^٢)؛ وغيرهما: كأحمد (ت ٢٤١ هـ)، والشافعي (ت ٢٠٤ هـ) ﵃؛ لا ينافي ذلك. إذ المراد بالعلم بجميع الأحكام: التهيؤ لذلك فقط (^٣)، فإن هؤلاء ﵃ لو أعادوا النظر، وتأملوا فيها حصل (^٤) لهم العلم بها. لكن شغلهم
_________________
(١) = إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة، وإليه ينسب المالكية. أشهر مؤلفاته: الموطأ، ورسالة في القدر. وقد أفردت كتب في مناقبه. ترجمته في: طبقات الشيرازي: ٦٧. كتاب الوفيات: ١٤١. وفيات الأعيان: ٤/ ١٣٥. تهذيب الأسماء واللغات: ٢/ ٧٥. شجرة النور: ٢٨. الفتح المبين: ١/ ١١٢. تاريخ التراث العربي: ٢/ ١٢٠.
(٢) زاد هنا في غير الأصل كلمة (مسألة).
(٣) (الطرة): الذي في المحلي، واشتهر عند أهل الأصول أنه سئل عن أربعين مسألة، فقال «لا أدري» في ست وثلاثين منها. لكن ما ذكره هذا الشارح نحوه لأبي عمر بن عبد البر في التمهيد. وقد يجمع بينهما بتعدد الواقعة. (المحقق): قال في التمهيد: «وأخبرنا خلف بن القاسم حدثنا أبو الميمون حدثنا أبو زرعة حدثني الوليد بن عقبة حدثنا الهيثم بن جميل قال: شهدت مالك بن أنس سئل عن ثمان وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري» (١/ ٧٣). فقد أتى ابن عبد البر بسند ثابت، وليس في كتب الأصول مثله مما يقوى على معارضته بله أن نقول بتعدد الواقعة.
(٤) «اشتهر في كتب الأصول أن مالكا سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنين وثلاثين منها: لا أدري، وأن أبا حنيفة قال في ثمان مسائل: لا أدري ما الدهر؟ ومحل أطفال المشركين؟ ووقت الختان؟ وإذا بال الخنثى من الفرجين؟ والملائكة أفضل أم الأنبياء؟ ومتى يصير الكلب معلما؟ وسؤر الحمار؟ ومتى يطيب لحم الجلالة؟. وأن أحمد بن حنبل يكثر أن يقول: لا أدري. كما سئل الشافعي عن المتعة أكان فيها طلاق أو ميراث أو نفقة تجب أو شهادة؟ فقال: والله ما ندري» بتصرف عن حاشية الكمال: ١/ ٢٤.
(٥) في (ب): لحصل.
[ ٩١ ]
عن ذلك مانع.
وإطلاق العلم (^١) على مثل هذا التهيؤ، شائع عرفا (^٢)، فلا يخدش ذلك في الحد، فإنه يقال: فلان يعلم النحو، ولا يراد أن جميع مسائله حاضرة عنده على التفصيل، بل أنه/ [ظ ٣] متهيئ لذلك فقط.
وبهذا يندفع ما يقال (^٣): إن أريد التهيؤ البعيد، فهو حاصل لغير الفقيه؛ وإن أريد القريب، فغير مضبوط، إذ لا يعرف أي قدر من الاستعداد يقال له: التهيؤ القريب.
فإن قلت: لا دلالة للفظ «العلم» على التهيؤ المخصوص.
[قلنا] (^٤): لا نسلم أن لا دلالة [له] (^٥) على ذلك، فإن معناه: ملكة يقتدر بها على [إدراك] (^٦) جزئيات الأحكام، ومن المعلوم عرفا: إطلاق العلم على الملكة، كقولهم في تعريف العلوم: «علم كذا» (^٧). فإن المحققين
_________________
(١) (الطرة): قدم أن المراد به الظن مجازا، وذكر هنا أن المراد به التهيؤ مجازا، وأحدهما ينافي الآخر. وأجيب بأن المراد تقدير مضاف قبل العلم أي «الفقه تهيؤ العلم» أي: الظن بالأحكام. وتسامح في قوله هنا: «وإطلاق العلم. . . الخ» ومراده ما ذكر، والله أعلم. وكلام هذا الشارح بعد يدل على أن العلم أطلق على التهيؤ نفسه بقرينة العرف.
(٢) (الطرة): فإطلاقه على ما ذكر حقيقة عرفية لا مجاز.
(٣) لينظر في هذه الاعتراضات وغيرها كتاب التلويح في كشف حقائق التنقيح للتفتازاني (ص ١٦ - ١٧)، ومنها ما نقل بنصه، كما أشار الشارح إليه.
(٤) في (أ) و(د): (قلت)، والمثبت من (ب) و(ج) تسوية لهذا الموضع بما بعده.
(٥) سقط ما بين المعقوفتين من (أ) و(د)، والمثبت من (ب) و(ج)، فهو أبين.
(٦) في (أ): (إدراكات)، والمثبت متفق عليه فيما عداه.
(٧) زاد في غير (أ): و(وعلم كذا).
[ ٩٢ ]
على أن المراد به هذه الملكة.
فإن قلت: عدم تيسر بعض الأحكام للمجتهد، ينافي التهيؤ بالمعنى المذكور.
قلنا: لا نسلم التنافي المذكور، «لجواز أن يكون ذلك لتعارض الأدلة، أو وجود المانع، أو مزاحمة الوهم للعقل، ومشاكلة الحق للباطل، ونحو ذلك» (^١). قاله في التلويح (^٢).
فإن قلت: يدعى أن بعض الأحكام لا مساغ للاجتهاد فيها.
قلنا: يدل على بطلان هذه (^٣) الدعوى، حديث معاد (^٤) (ت ١٨ هـ) (^٥)، حيث اعتمد على الاجتهاد برأيه فيما لا يجد فيه النص. ولم
_________________
(١) (الطرة): المراد عدم تيسرها له حين السؤال، فيقول: لا أدري - مثلا -. وحاصل الجواب: أن ذلك لعارض أو مانع وقتي لا ينافي الملكة، لأنه إذا وجه وجهته لتحقيق المناط عثر على ما يجيب به.
(٢) التلويح في كشف حقائق التنقيح: ١/ ١٧. وجاء جوابه ردا للتنافي المذكور من وجهين أحدهما ما ذكر هنا ونصه: «لا نسلم أن عدم تيسر معرفة بعض الأحكام لبعض الفقهاء، أو الخطأ في الاجتهاد ينافي التهيؤ بالمعنى المذكور لجواز. . . الخ (كما ذكر هنا)». وصاحب التلويح هو: سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني (٧١٢ - ٧٩١ هـ/١٣١٢ - ١٣٨٩ م).
(٣) في (ب): (قوة).
(٤) معاذ بن جبل يكنى أبا عبد الرحمن، شهد بدرا، والعقبة، وكان أميرا للنبي ﷺ على اليمن، وقال فيه رسول الله ﷺ: (أرحم أمتي أبو بكر، وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ).
(٥) نص حديث معاذ من لفظ سنن البيهقي الكبرى (١٠/ ١١٤، كتاب آداب القاضي، باب ما يقضي به القاضي ويفتي به المفتي) حدثنا شعبة: أخبرني أبو عون الثقفي -
[ ٩٣ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) - قال: سمعت الحارث بن عمرو يحدث عن أصحاب معاذ من أهل حمص - قال: وقال مرة: عن معاذ -: أن رسول الله ﷺ لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: «كيف تقضي إذا عرض لك قضاء؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال: فإن لم تجده في كتاب الله؟ قال: أقضي بسنة رسول الله ﷺ. قال: فإن لم تجده في سنة رسول الله؟ قال: أجتهد برأي لا آلو. قال: فضرب بيده في صدري، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضي رسول الله ﷺ». ورواه الإمام أحمد (برقم: ٢٢٠٦٠: ٥/ ٢٣٠؛ وبرقم: ٢٢١١٤: ٥/ ٢٣٦؛ وبرقم: ٢٢١٥٣: ٥/ ٢٤٢) والترمذي (برقمي: ١٣٢٧ و١٣٢٨: ٣/ ٦١٦: كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي) وأبو داود (برقمي: ٣٥٩٢ و٣٥٩٣: ٣/ ٣٠٣: كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء). وفي علل الدارقطني (٦/ ٨٨ - ٨٩): «وسئل عن حديث معاذ حيث بعثه النبي ﷺ إلى اليمن فقال له كيف تقضي (. . .) فقال: يرويه شعبة، عن أبي عون، عن الحارث بن عمرو، عن أصحاب معاذ، عن معاذ. حدث به كذلك عن شعبة: يزيد بن هارون، ويحيى القطان، ووكيع، وعفان، وعاصم بن علي، وغندر. وأرسله عبد الرحمن بن مهدي، وأبو الوليد، والرصاصي، وعلي بن الجعد، وعمرو بن مرزوق. وقال أبو داود: عن شعبة: قال مرة: عن معاذ، وأكثر ما كان يحدثنا عن أصحاب معاذ أن رسول الله ﷺ. وروي عن مسعر، عن أبي عون مرسلا. والمرسل أصح». ورواه ابن أبي شيبة في المصنف من الطريق المشهورة عن الحارث بن عمرو (برقم: ٢٢٩٨٨: ٤/ ٥٤٣) كما رواه من طريق آخر (برقم: ٢٢٩٨٩: ٤/ ٥٤٣) قال فيه: «حدثنا أبو بكر قال حدثنا أبو معاوية عن الشيباني عن محمد بن عبد الله الثقفي قال لما بعث رسول الله ﷺ معاذا إلى اليمن. . . (الحديث)». ومن أجمع ما اطلعت عليه في الكلام عن هذا الحديث ما أتى به ابن حجر في تلخيص الحبير (٤/ ١٨٢ - ١٨٣)، فلينظر. وفي هذا الحديث نظر من وجهين: أحدهما: من جهة الحارث بن عمرو قال البخاري في تاريخه: «الحارث بن عمرو عن أصحاب معاذ وعنه أبو عون لا يصح ولا يعرف -
[ ٩٤ ]
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
_________________
(١) - إلا بهذا». والثاني: من جهة عدم تسمية من حدث عنه الحارث حتى اعتبره الترمذي بسبب ذلك منقطعا، حيث قال: «لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده بمتصل». وهذا الحديث مما يكثر استعماله في كتب أصول الفقه لما يدل عليه من اعتبار الاجتهاد ضمن الأدلة الشرعية. والأصوليون بشأنه على طرفي نقيض: فمنهم الظاهرية ممن ينكرون القياس ويمثلهم ابن حزم وقد هول أسباب ضعف الحديث بغاية إبطاله بل ابتدأ الكلام عنه بقوله (الإحكام: ٧/ ٤١٧): «هذا حديث ساقط» ولم يزد في ذكر سبب إطلاق هذا اللقب على ما ذكرناه من الملحظين السابقين ثم عطف عليهما بالقدح في متنه بما يستدل به في كتبه عادة على إبطال القياس والاجتهاد. ومنهم جمهور الأصوليين، وجلهم يستدل به من غير نظر في سنده اكتفاء بشهرته، واعتمادا على عمل أئمتهم بموجبه. وقد ذكر الخطيب البغدادي في الفقيه والمتفقه (١/ ١٨٩ - ١٩٠) ما ينجبر به سبب انقطاع هذا الحديث، وهو قوله: «إن قول الحارث بن عمرو «عن أناس من أصحاب معاذ» يدل على شهرة الحديث وكثرة رواته، وقد عرف فضل معاذ وزهده والظاهر من حال أصحابه الدين والتفقه والصلاح». كما ذكر ما يعاضد انفراد الحارث به، ولكنه أورد العاضد من غير إسناد بل بصيغة التمريض «قيل»، ونص كلامه: «وقد قيل: إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم عن معاذ. وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة». ثم أضاف الخطيب البغدادي الاستدلال على صحة الحديث بتلقي جمهور العلماء له بالقبول، ونص كلامه: «. . . على أن أهل العلم قد تقبلوه واحتجوا به، فوقفنا بذلك على صحته عندهم كما وقفنا على صحة قول رسول الله ﷺ: «لا وصية لوارث» وقوله في البحر: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» (. . . الخ وذكر أحاديث، ثم قال:) وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد، لكن لما تلقتها الكافة عن الكافة أغنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها، فكذلك حديث معاذ لما احتجوا به جميعا أغنوا عن طلب الإسناد له».
[ ٩٥ ]
يقل النبي ﷺ: فإن (^١) لم يكن محل للاجتهاد؟ (^٢).
(الشرعية): أي: المأخوذة من الشرع (^٣)، بمعنى: أنه لا مدرك لها إلا منه.
وذكر ابن القيم (إعلام الموقعين: ١/ ٢٠٢) نحوا مما ذكره الخطيب ولكنه نبه خلال ذلك على وجهين معتبرين من النظر، فقال: «فهذا حديث، وإن كان عن غير مسمين، فهم أصحاب معاذ، ولا يضره ذلك؛ لأنه يدل: على شهرة الحديث، وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سمي. كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى. ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك؟! كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث وقد قال بعض أئمة الحديث إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به؟!».
وملخص ما ذكر أنه: إذا اعتبرت الجهالة بالحارث قادحا في الحديث فإن في رواية من ذكر من الأئمة عنه تزكية. وإذا اعتبرت الجهالة بأصحاب معاذ قادحا فإن الفضل المعروف لمجموعهم تزكية. وقد خرج الحديث من أئمة هذا الشأن - كما فصلناه ابتداء - من لا يخرج ساقطا ولا متروكا. هذا وقد استدل العلماء على حجية الاجتهاد من وجوه المنقول والمعقول بالأمر اليقين، فمعنى الحديث صحيح مكين، والحمد لله رب العالمين.
_________________
(١) في (ب) و(د): (فإذا).
(٢) (الطرة): قضية معاذ ﵁ [وذكر الحديث بمعناه ثم قال:] فسكت النبي ﷺ وأقره على ذلك، ولو كان هنالك بعض الأحكام لا يمكن فيها الاجتهاد لقال له: فإن لم يكن محل للاجتهاد ماذا تفعل؟ فهو ظاهر.
(٣) (الطرة): يريد أن النسبة من حيث الأخذ، وأورد: أن الشرع هو النسب التامة، فيلزم اتحاد المأخذ والمأخوذ منه، وأجيب: بأن في العبارة مضافا محذوفا، أي: «المأخوذ من أدلة الشرع».
[ ٩٦ ]
(العملية): أي: المتعلقة بكيفية عمل، أي: ما يتكيف به العمل من وجوب، أو حرمة، أو غيرهما. سواء كان العمل قلبيا، كالعلم بأن النية في الوضوء واجبة.
أو غير قلبي كالعلم بأن الوتر مندوب إليه. فالعمل هنا: هو النية مثلا، أي: القصد، وكيفيته: وجوبه.
ومن ذلك: اعتقاد أن الله تعالى واحد مثلا. فالعلم بوجوب اعتقاد وحدانيته تعالى فقه، وبنفس الوحدانية كلام. فالفقه (^١) يثبت وجوب اعتقاد الوحدة، والمتكلم يثبت نفس الوحدة (^٢).
وبهذا التقرير يندفع ما اعترض (^٣) به في بعض شروح المنهاج، حيث قال (^٤): لا يخلو: إما أن يريد (^٥) بالعملية: عمل الجوارح؛ أو ما هو أعم منها/ [و٤] ومن أعمال القلوب.
_________________
(١) في غير الأصل: (فالفقيه).
(٢) (الطرة): [صوابه أن يأتي بهذا قبل قوله «أو غير قلبي. . .» ويقول: «ومن ذلك. . . الخ»]. (المحقق): هكذا بخط صاحب الطرة مقحما بين السطرين، ومعناه أن هذه الفقرة ينبغي أن تقدم على الفقرة السابقة، وهو تصويب في محله يستقيم معه السياق، ويجنب القارئ بعض الاضطراب، وإن كان الأمر واضحا.
(٣) (الطرة): من [يشير إلى المعترض ويعني أن محل الاعتراض هو:] حمل العملية على عموم عمل القلب وعمل البدن. ثم بعض عمل القلب له حيثيتان، كوحدانية الله تعالى: فإثباتها بالبرهان من وظيفة المتكلم، والحكم عليها بالوجوب من وظيفة الفقه.
(٤) في غير الأصل: (قالوا).
(٥) في الأصل (تريد) بالتاء، وهو مجرد سهو بدليل أن ما بعده من الكلام جاء بضمير الغائب، وهي على وجهها الصحيح في (ب).
[ ٩٧ ]
فإن أراد الأول: فيرد عليه إيجاب النية، وتحريم الرياء والحسد، وغيرهما فإنها من الفقه، وليست (^١) عملا بالجوارح.
وإن أراد الثاني: فيرد عليه أصول الدين، فإنه ليس بفقه مع أنه عمل بالقلب (^٢).
(المكتسب) بالرفع، أي: ذلك العلم.
(من أدلتها التفصيلية) أي: المعينة التي عين كل دليل منها لمسألة جزئية. فنحو ﴿أَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ (^٣) دليل معين لمسألة جزئية، وهي: وجوب إقامته (^٤) الصلاة.
_________________
(١) في (ب) و(ج): (ليست)، والمثبت من (أ) و(د).
(٢) لم أجد هذا القول بنصه فيما بيدي من شروح المنهاج، وأقرب ما وجدته من معناه فيها قول تقي الدين السبكي في «الإبهاج» الذي أئمه ابنه تاج الدين عبد الوهاب: «. . . إن أريد بالعمل عمل الجوارح والقلب فلا تخرج لدخولها في أعمال القلوب، وإن أريد عمل الجوارح فقط خرجت النية وكثير من المسائل التي تكلم الفقهاء فيها، كالردة وغيرها مما يتعلق بالقلب. ولذلك ترك الآمدي وابن الحاجب لفظ «العملية» وقالا «الفرعية» لأن النية من مسائل الفروع وإن كانت عمل القلب. ولعل الفقهاء إنما ذكروا ذلك لما يترتب عليه من الصحة والبطلان والمؤاخذة المتعلقات بالأعمال كما يذكر في بعض العلوم ما يتعلق به من علم آخر» (الإبهاج: ١/ ٣٦ ولينظر كلامه بتمامه لمن أراد التفصيل، وشرح البدخشي: ١/ ٢٨، ونهاية السول: ١/ ٢٩ - ٣٠ وخصوصا حاشية المطيعي عليه في الصفحتين نفسيهما).
(٣) الأنعام: الآية (٧٢).
(٤) في (ب): (إقامة).
[ ٩٨ ]
فخرج بقيد «الأحكام»: العلم بغيرها من الذوات (^١)، والصفات (^٢)، والأفعال (^٣).
وبقيد «الشرعية»: العلم بالأحكام العقلية، كالعلم بأن الواحد ربع عشر الأربعين؛ والاصطلاحية: كالعلم بأن الفاعل مرفوع؛ والحسية:
كالعلم بأن هذه النار محرقة.
وبقيد «العملية»: العلم بالأحكام الشرعية العلمية النظرية، وتسمى اعتقادية وأصلية، كالعلم بأن الله واحد، وأن الإيمان واجب، وأن الإجماع حجة.
وبقيد «المكتسب»: علم الله/ [ظ ٤] تعالى، وجبريل، والنبي ﷺ:
أما علم الله تعالى: فلا يصح اتصافه بكسب، ولا اضطرار؛ إذ لا يعقل استناده إلى شيء من الأدلة، بل هو عالم بهما معا من غير استفادة أحدهما من الآخر قطعا.
وأما علم النبي، والملك (^٤): فقال سعد الدين. . .
_________________
(١) (الطرة): كتصور الإنسان والفرس.
(٢) (الطرة): كتصور البياض والسواد مثلا.
(٣) (الطرة): كتصور الضرب.
(٤) (الطرة): كتب بعضهم على قوله: «وأما علم النبي والملك. . الخ» ما نصه: في الأبي على قوله ﵇: «لقد خشيت على نفسي» بعد كلام في أنه يجوز أن يكون خشي كون ذلك من الشيطان، ما نصه: قلت: «ذكر السهيلي عن أبي بكر الإسماعيلي أنه لا يمتنع أن يخشى ذلك لأول ما جاءه الملك قبل أن يحصل له العلم الضروري بأن الذي جاءه ملك، لأن العلم الضروري لا يحصل دفعة. قال: ألا ترى أن بيت الشعر يسمع أوله فلا يدري أنه شعر، فإذا استمر الإنشاد قطع أنه شعر؛ فكذا هنا لما استمر -
[ ٩٩ ]
(ت ٧٩١ هـ) (^١) وغيره: إنه ضروري (^٢).
وخرج بقيد «من أدلتها التفصيلية»: المكتسب من الأدلة الإجمالية، كالمكتسب للخلافي (^٣) من المقتضى والنافي، المثبت بهما ما يكتسبه من الفقيه، ليحفظه عن إبطال خصمه، بناء على أنه يستفيد علما. وإلا فالقيد للبيان دون الاحتراز.
_________________
(١) = الوحي وحفت القرائن حصل العلم. وقد أثنى الله سبحانه بهذا العلم فقال: آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ فإيمانه بالله سبحانه كسبي يثاب عليه كسائر أفعاله» انتهى المراد منه فانظره مع ما نقله الشيخ عن سعد الدين وغيره. (المحقق): هو بنصه عند الأبي في إكمال إكمال المعلم (١/ ٢٨٥)، وقد قابلته به فماثله.
(٢) سعد الدين مسعود بن عمر بن عبد الله التفتازاني (٧١٢ - ٧٩١ هـ) علامة شافعي، أصولي، مفسر، متكلم، محدث، بلاغي، أديب. له مصنفات في علوم شتى أشهرها: التلويح في كشف حقائق التنقيح. وحاشية على شرح العضد على مختصر المنتهى لابن الحاجب، من مصادر ترجمته: معجم سر كيس: ١/ ٦٣٥. الفتح المبين: ٢/ ٢٠٦.
(٣) يعني سعد الدين التفتازاني، وقد نسبه لابن الحاجب، حيث قال: «ذهب ابن الحاجب إلى أن حصول العلم بالأحكام عن الأدلة قد يكون بطريق الضرورة كعلم جبريل والرسول ﵉، وقد يكون بطريق الاستدلال أو الاستنباط كعلم المجتهد. والأول لا يسمى فقها اصطلاحا، فلابد من زيادة قيد «الاستدلال» أو «الاستنباط» احترازا عنه» التلويح إلى كشف حقائق التنقيح: ص ١٣.
(٤) (الطرة): أي صاحب «علم الخلاف»، وهو: علم يفيد معرفة القول الكافي من أقسام الاعتراضات، والجوابات، والموجهات منها وغير الموجهات.
[ ١٠٠ ]