وكان من الطبيعي، بعد ملازمة هذا الإمام وصحبته، أن يتوّج ارتباطه به بنفحات من الإسناد زكيّة، وطرق من الرواية سنيّة. وذلك ما دعا الشيخ الإمام سالم بوحاجب إلى أن يكتب له في نهاية دفتره بالإجازة الشريفة قائلًا في غضونها: أكتفي بالإجازة بأنواعها المبيّنة في الأصول، لتأسيس المعارف على سند موصول مَنْ تعلّقت همته بالمهم المذكور، وانتظمت رغبته منه في سلك السعي المشكور محرز قصب السبق في الميادين العرفانية بلا منازع،
_________________
(١) نفس المرجع: ٤١.
[ ١ / ١٥٩ ]
(مَن) أحرز شرفي العلم والنسب، واسترقّ الألباب كلما تكلّم أو كتب، مَن تتشرف ببنوّته منّي الروح، وبتهذيبه ينمحي النقص وتندمل الجروح، الشيخ المدرس سيدي الطاهر ابن العمدة اللوذعي الماجد الزكي المهذب اليلمعي، سيدي محمد بن الهمام النحرير من تقاصر العصر والمصر أن يأتيا له بنظير، كما يقصر القلم واللسان في الإعراب عن فضل شيخنا الشهير، سيدي محمد الطاهر ابن عاشور المفتي المالكي، بَرَّد الله ضريحه، وأسكنه من الفردوس فسيحه.
فبناء على ذلك أقول، مقتبسًا إنارة طرف الإيجاب من طرف القبول: قد أجزت لابننا المذكور جميع محفوظاتي وملحوظاتي من معقول ومنقول، في فروع أو أصول، إجازةً تامة مطلقة عامة وأروي صحيح الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري عن العالم الفاضل المحدث الأديب أبي العباس الشيخ سيدي أحمد بن الطالب بن سودة، وهو عن شيخه مفتي الأنام وتاج الإسلام سيدي مصطفى بن محمد المالكي، الجزائري المنشأ، الإسكندري الموطن، وهو عن شيخه العلّامة مفتي الإسلام الشيخ علي بن عبد القادر، شُهِر بابن الأمير المتوفى ١٢٣٦، وهو عن شيخ المشايخ سيدي علي الصعيدي المتوفى ١١٨٥، وهو عن شيخه العلّامة محمد عقيلة المكي، وهو عن الشيخ حسن بن علي العجيمي، وهو عن الشيخ أحمد بن محمد العَجِل اليمني، وهو عن الإمام يحيى بن مكرم الطبري، عن الشيخ برهان إبراهيم بن محمد بن صدّيق الدمشقي، عن الشيخ عبد الرحيم بن عبد الأول الفرغاني - وكان عمره مائة وأربعين سنة - وقرأ البخاري على أبي عبد الرحمن محمد بن شاذ بخت الفرغاني، بسماعه لجميعه على الشيخ، أحد الأبدال، أبي لقمان يحيى بن عمار بن مقبل شاهان الخَتْلاني - وكان عمره مائة وثلاثًا وأربعين سنة -
[ ١ / ١٦٠ ]
وقد سمع جميعه عن محمد بن يوسف بن مطر بن صالح الفِرَبري، قال: أخبرنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفي البخاري رحمه الله تعالى، وأفاض علينا من ينابيع علومه آمين. كتب هذه الإجازة سالم بوحاجب في الخامس والعشرين من رمضان ١٣٢٣ (١).
وممّن منحه فضيلة الإسناد وشرّفه بربط حلقات اتصاله العالي بأكرم جناب، جدّه الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتور الذي أجازه بكل مروياته سنة ١٣٢١/ ١٩٠٤. أجازه بسنده الجامع بين صحيحي البخاري ومسلم، كليهما عن طريق واحد هو طريق الفِرَبري. وهو ما حدّث به الشيخ محمد العزيز بوعتور، عن الشيخ محمد صالح الرضوي، عن عمر بن عبد الكريم، عن محمد بن سنّة، عن أحمد بن موسى بن عجيل، عن قطب الدين محمد النهرواني، عن محمد بن عبد الله الطاوسي، عن الشيخ المعمّر بابا يوسف الهروي، عن محمد بن شاذ بخت الفرغاني، عن يحيى الخَتْلاني، عن الإمام محمد بن يوسف الفربري، عن أبي عبد الله محمد بن إسماعيل البخاري، وعن أبي الحسين مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري.
تذييل: وبهذا السند الأعزّ أروي عن الإمامين من طريق شيخي محمد الفاضل، عن أبيه الشيخ محمد الطاهر، عن جدّه محمد العزيز بوعتور (٢).
إجازات أخرى:
مثل: إجازة شيخ الإسلام محمود ابن الخوجة له.
_________________
(١) دفتر دروس الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور: ٤٢ - ٤٤.
(٢) إجازة الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور المثبتة بدفتر دروس الشيخ محمد الحبيب ابن الخوجة: ٢١.
[ ١ / ١٦١ ]
وإجازة العالم النابغ سيدي عمر بن أحمد ابن الشيخ ١٣٢٥/ ١٩٠٨ (١).
ومن جميل عناية الله بي، وسابغ فضله عليّ، اتصالي بهذه الأسانيد كلها وبغيرها، في الخامس من رمضان ١٣٦٦ بالمرسى، من طريق مقام والدي، أستاذي وشيخي، عميد الزيتونة ومفتي الجمهورية ﵀ الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور طيّب الله ثراه وتغمّده بواسع رحمته (٢).