غير غريب أن تطغى مع هذا كثرة النقول في مؤلّفات هذا العصر، تفاخرًا من أصحابها بسعة المعرفة وكثرة التحصيل، وإن خلت كتبهم من النظر وإعمال الفكر والنقد. وإن في هذا المنهج لانحرافًا عن مثل ما كان يقوم به السكاكي في نقوله، في مواضع شتى من كتابه المفتاح، عن الزمخشري أو عن الجرجاني وأضرابهما، قصد دعم رأي، أو إقامةِ برهان على صحّة معنى، أو بيانٍ لمذاق له (٢).
وقد نظر الأستاذ الإمام إلى أولئك النقلة فوجدهم فئتين:
الفئة الأولى: تنقل ما يصل إليها أو يقع تحت يدها.
_________________
(١) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: ١٦٧.
(٢) المرجع السابق: ١٦٨.
[ ١ / ٢٢٣ ]
والفئة الثانية: تزيّن تأليفها بالنقل عن العلماء والمشاهير أمثال الغزالي وعبد القاهر وابن العربي، لكنك قلّما تجد مَن نهج على منوال هؤلاء العظماء، لأن التقليد إذا صافحه الضعف والفتور، تعلق بسفاسف الأمور. وربما مرّ أصحاب هذه الفئة على مواضع مشكلة من كلام المتقدمين، فيتحاشونها، ولا يقدمون على تحقيقها، مثل كلام عبد القاهر في المعاني الثواني، والغزالي في باب البيان من المستصفى، وابن العربي في حديثه عن المتشابه في شرح الترمذي (١).
وبقدر ما كانت النقول لدى السابقين تأكيدًا وتقوية لما يصوّرونه من أغراض، ويبدونه من آراء، كانت عندهم شاهدًا على ضعف العقل، وذهاب الملكات، وكثرة التهريج. وحين استقرّ في أذهانهم العجز عن ملاحقة السابقين قالوا: "ما ترك الأول للآخر"، "وما أصحّ علم من تقدم"، وإذا لم يقدروا على المفاضلة والترجيح، ولو بعد تكلّف وإجهاد، بين أنظار المتقدمين واختلاف آرائهم، استسلموا قانطين، وذهبوا مرددين: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ (٢). وغير بدع من الأمر أن يتولّد عن هذه الحالة النفسية لديهم تقديس مطلق للمتقدّمين، أشعرَهم بالنقص، وعدم القدرة على الإتيان بما أتَوا به، وأنّى للتابع أن يبلغ مبلغ الرائد في سداد رأيه، وصحّة نظره، وقدرته على الاجتهاد. ووقع في يقينهم أن كلَّ مسطور يظفرون به أو يقفون عليه ينتسب إلى السابقين صحيح لا يمكن الطعن فيه ولا يُتردّد في الأخذ بما فيه. ونشأت عن هذه العقلية نزعات كان قد نبّه إليها الشيخ ابن عاشور في قوله:
_________________
(١) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: ١٦٩.
(٢) البقرة: ١٤٨.
[ ١ / ٢٢٤ ]
"فإنه لما سدّت منافذ التفكير في العلم والتوسعة فيه، مال العلماء إلى التفكير في عبارات السابقين، ثم لما عُنوا بطريقة الاستحضار مالوا في تآليفهم إلى الاختصار، وحين شعروا بسماجة الإعادة للمسائل ابتكروا طريقةَ خلطِ التأليف الموضوع في مسائل علم ما بمسائل أخرى من علوم أخرى لأدنى مناسبة أو ملابسة" (١).