بعد خمسمائة عام من العطاء الفكري والعمل الجاد العلمي، كان من الطبيعي أن تختلف طرائق اللاحقين عن طرائق الأئمة السابقين، لاقتناعهم بما فيه غنى مما هو متوفّر من التصانيف في نظرهم. وبدل التقدم بالعلوم، ومواصلة النشاط الإبداعي، طفِقَ أكثرهم يختصر ويزيد وينقص حسب ما يبدو له. وعلى هذا الأساس نشأت عقدة اللسان، واختفت مسائل العلم تحت الألفاظ، وانشغل المؤلفون عن النقد. وحمل هذا كثيرًا منهم على العناية باختزال
[ ١ / ٢٢٢ ]
حرف، أو نقص كلمة، كما فعل محمد بن ناماور الخونجي ٦٤٦ في الجمل "مختصر نهاية الأمل في المنطق"، وخليل بن إسحاق ٧٦٧ في مختصره الفقهي، والتقي ابن السبكي ٧٧١ في جمع الجوامع في أصول الفقه، والجلال المحلِّي ٨٦٤ في شرحه لجمع الجوامع (١).
وترتّب على هذا الاتجاه تعقيد شديد، عطل الأفهام عن الغوص على المعاني، وصرَف الأذهان إلى شرح المغلقات، وأضاع الوقت على الدارسين. فتحوّل بذلك النظر إلى مجالات لفظية حول العبارات ومعاني الكلمات.
وكانت النتيجة لهذا التكوين مكابرة ولجاجًا، وقصورًا عن الحجاج.