إن العلوم المتداولة متعددة:
منها العلوم الشرعية كعلوم التفسير والحديث والفقه وأصول الفقه والكلام.
ومنها علوم اللغة المتصلة بحياة اللغة العربية مادة وفنونًا، وعلوم العربية كالنحو والصرف، وأسرار العربية كعلوم البلاغة من معانٍ وبيانٍ وبديع.
ومنها ما هو دون ذلك في الأهمية عند شيوخ الزيتونة، وهي العلوم الأخرى التي - رغم كبر نفعها ومسيس الحاجة إليها - لم تحظَ بما تستحقه من العناية بينهم. فلم تبلغ في تدريسها المرحلة المتقدمة أو المستوى المناسب لها في عصرنا، وإنما بقيت جامدة في الأكثر، لا تعدو ما نقله العرب منها عن اليونان، وما وضع لها من مقاصد السابقين. وهذه العلوم هي المنطق وعلم التاريخ والعلوم الفلسفية والرياضية.
وقد كان تعامل الشيخ ﵀ مع هذه العلوم في عرضها، وذكر أسباب التأخر فيها، موحَّدًا في تعريفه لأكثرها، وذكر أطوارها وأهم مراحلها، مع الإشارة إلى الأمهات والمصادر المدونة فيها. وذلك ما يَبرز بروزًا واضحًا في تناوله لعلوم المقاصد وعلوم الوسائل. ثم يعقّب ذلك في كل علم من العلوم المشار إليها بذكر ما ألمّ بها من أسباب التأخر، وبما يقترحه من وسائل الإصلاح لها.
أما العلوم الأخرى التي أشاد بأهميتها، ودعا إلى ضرورة الإقبال عليها فقد تناولها بطريقة مختلفة ركزت على الإشارة إلى
[ ١ / ٢٤٥ ]
الأهداف منها، ونبّهت إلى ما هي عليه اليوم عندنا من ضمور بسبب التوقّف عن مسايرة الرواد فيها في البلاد المتقدمة، والانصراف عما ألحقوه بها وطوّروه من محاورها وموضوعاتها ومناهجها. وقد كان الشيخ شديد الحرص في كل ذلك على وضع إضاءات وتنويرات تُوجِّه الأساتذة في إقبالهم عليها، وإلى الإفادة من مطالعاتهم، وضبط تحريراتهم، بالوقوف على ما جدّ من مسائل دقيقة، تمهيدًا للاشتغال بتلك العلوم، ومعوانًا على تأليف كتب قيِّمة فيها.
ولعل في ذكر أسباب الضعف والتأخر في كلا القسمين من العلوم ما يكفي لتعقّب أعمال المتأخّرين، أو تنقيتها مما لحق بها من شوائب، والأخذ بما دعا إليه الإمام الأكبر من أوجه الإصلاح.
* * *
[ ١ / ٢٤٦ ]