كان عدد التلامذة لا يزيد على الألف سنويًا. للمرحلة الابتدائية ٥٠٠ تلميذ، وللمتوسطة ٤٠٠، وللعليا أو منتهى المتوسطة ١٠٠ (١).
ولما ألمعنا إليه قبل من حق اختيار الطلاب للدروس، تجد الحضور بها غيرَ مطّرد ولا متعادل. فبعض حلقات العلم لا تجد بها غير العدد النزر من الطلاب، وبعضها الآخر تكون الواحدة منها مزدحمة يحضرها المائتان منهم. وهذا ناشىء عن نبذ النظام، وعدم تطبيق القرار الوزاري ٢٢/ ٣/ ١٩٠٠، فيما ينصّ عليه الفصل الثالث منه، من لزوم تعيين تلامذة لكل درس، لتتم مراعاة التوقيت في الدروس، وليتمكن المدرس من معرفة تلامذته. وقد ترتّب على ذلك تزاحم التلامذة للحصول على الأمكنة في الحلقات، وتشويش بينهم،
_________________
(١) كان هذا عدد الطلبة سنة ١٩٠٩ - ١٩١٠. وهو بدون شك قد زاد بعدُ وهو قابل للتطوير، فهو في ١٨٨١ كان لا يتجاوز ٦٠٠، وفي ١٩٤٨ - ١٩٤٩ بلغ ٩٨٨. محمد المختار العياشي. البيئة الزيتونية: ٩٢.
[ ١ / ٢١٥ ]
وإضاعة للوقت، وتدخل إداري من حين إلى آخر. ومع ذلك يلاحظ أن الطلاب لم يكن لهم كبير محافظة على الحضور، وأن أكثر من يشهد الدروس منهم شاردُ العقل مشغولُ البال.
أما سيرتهم داخل المعهد، ومع الشيوخ فقد كانت جيّدة. ليس عليهم ما يؤاخذون به سوى بعض الخصومات، والتلاكم أحيانًا فيما بينهم. وليست هناك زواجر محدّدة لقمع ذلك والمنع منه. وإنما هي التهديدات والتوبيخ الموكول إلى النظارة، تقوم به طبق الفصول ١٢، ٦٧ من النظام.
وإذا تعلّق الأمر بتزوير شهادات الشيوخ في دفاترهم سحبت منهم الدفاتر، وكتب الشيوخ فيها نصًا بعدم تأهّلهم للدرجة التي اختاروها، وأعيدوا وجوبًا إلى ما دونها، أو إلى ما يشهد لهم الشيوخ باستحقاقه من الرتبة.
وبتتبّعِ أحوال الطلبة من حيث النباهة والتحصيل يتبيّن لنا بوضوح أن الوافدين منهم على الجامع من خارج العاصمة أكمل رأيًا وفكرًا، وأكثر إتقانًا واستحضارًا، وأحسن استعدادًا وكفاءة للتقدم والفوز. وإن كان وضع عموم الطلبة يتطلّب مراقبة ورعاية. وذلك بسبب ما نجدهم عليه في الأكثر من إهمال التمرين وقلّة المراجعة للدروس، وعدم مطالبتهم باستذكار ما تعلّموه، وعدم تكليفهم بحفظ المتون، وترك تعويدهم على فهمها. فيكونون في حالة اضطراب وخوف، وحيرة وقلق، كلما دنت مواعيد الامتحان، ولمّا يستعدّوا له أدنى استعداد.
أما وضع الطلبة خارج المعهد وبخاصة الفقراء ممن ليس لهم من يعولهم، أو من الواردين من خارج العاصمة، أو من البلاد
[ ١ / ٢١٦ ]
المجاورة، فهو أسوأ حالًا وأشدّ فسادًا من حيث السكنى والمأوى، ونظام العيش، والأحوال الصحيّة، وفقدان أبسط الحاجيات.
وقد توالت الشهادات على هذا من ذلك العهد إلى قيام حركات الطلاب بالمطالبة بالتغيير والإصلاح. ورأينا منها ما يحزن القلب ويؤلم النفس، ويعوق الطلبة الشباب عن السير سيرًا عاديًا ليتضلّعوا بالمعارف النافعة والقيام بالواجبات المتعيّنة. وأنّى لهم ذلك، وقد توالت عليهم مختلف المصاعب، وحاقت بهم ألوان المصائب. فأكثرهم إلى جانب مزاولتهم للدروس في ظروف سيئة، يقيمون بمدارس سكناهم الشبيهة بالجحور، كلُّ ثلاثة أو أربعة منهم في غرفة ضيّقة واحدة فاسدة الهواء، كثيرة الرطوبة، تفتقر في غالب الأحيان إلى أبسط أحوال حفظ الصحة. ويزداد أمرهم ضيقًا باحتياجهم المتكرّر إلى الغذاء والتموين. وتتحول بيوتهم الصغيرة إلى محلات يقومون فيها بمختلف شؤونهم المنزلية، مع افتقادهم وافتقارهم إلى الماء الصالح للشراب، وإلى النور "الكهرباء"، وإلى قنوات تصريف المياه. فصحن مدارس سكنى الطلبة الزيتونيين يبقى ملطخًا بالأوساخ، وبالفواضل القَذِرة، والمياه. كما ترى فئات من المتطوّعين يجوبون الشوارع بأسمال بالية، يتصدّقون الناس. وإنها لمشاهد محزنة للغاية، تحمل على التبرّم من العيش، وتدفع بهذه الطبقة المثقفة الكادحة من شباب الأمة إلى مشاعر من الانحطاط الاجتماعي، والبؤس البيئي، والانكسار النفسي. وهو ما يقود حتمًا إلى الغضب والثورة (١).
_________________
(١) محمد مختار العياشي. حالة الطلبة التونسيين المادية. البيئة الزيتونية: ١٠٧ - ١١١.
[ ١ / ٢١٧ ]