أصرّ هؤلاء على مواقفهم، مكتفين بما ورثوه، قانعين بما وصل إليهم، نابذين كل جديد، ومهاجمين كل ما يظهر في مجالات فنونهم وعلومهم مما يخالف أو يناقض ما عرفوه من تصوّرات واعتادوه من آراء، يلبسون له جلد النمر، يحضرون له سيَاط الزجر. وذلك لجمود أفكارهم، وقصورهم عن الاتسام بسِيمَى المحقّقين من العلماء. وربما كان ذلك أيضًا بسبب حسد الأكفاء والعمل على إطفاء مواهب المعاصرين، والتعصّب الممقوت لأشياخهم وكبار علمائهم، وإن تغيرت العصور وقامت بها الحجة عليهم. وإنك لتجدهم يكيدون لمن ليس من حزبهم، لوقف الناس عند ما بلغ إليه العلماء الأقدمون، غير متجاوزين في شيء مقالاتِهم وسلوكَهم وطرائقَهم. ومن أجل ذلك ألقوا في نفوس الحكام والملوك أن الخروج عن ذلك قيد شبر كالإلحاد في الدين، وأن في إطلاق الحرية للرأي والعلم نكرانًا لفضيلة العلماء الماضين، إلى غير ذلك من كلمات لفّقوها، وأحاديث وضعوها، ورهبانية في تقديس المتقدمين ابتدعوها (٢).
ولم تنجُ من مغالطاتهم وصنوف كيدهم سوى طائفة قليلة من
_________________
(١) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: ١٦٩.
(٢) المرجع السابق: ١٦٨.
[ ١ / ٢٢٥ ]
العلماء البارزين لم تجرؤ على إعلان معارضتها لهم، ولكنها جرت على طرائقهم، فضمّنت ما حرّرتْه من شروح وحواشٍ وتعليقات تصحيحَ كثير من الأفهام، وإبداء ما رأته من مقالات وأفكار صائبة.
ولو أن المقلّدين رضوا باستدراك النقص، وتصدّوا لإصلاح الكتب والمؤلّفات مما تزخر به من أخلال، لأعانوا الطلاب بعد طول دراساتهم للعلوم اللغوية والعربية، ومثافنتهم لفَنَّي المعاني والبيان، واستغراقهم غالب أوقاتهم في العكوف على العلوم الشرعية، على الانتفاع بما تخصّصوا فيه، والظهور في مختلف مجالات الدرس والبحث والإنتاج قادةَ فكر، وأئمةَ علم، وأمثلةً ونماذجُ يُحتذى حذوها ويُقتدى بها.