جاء هذا الفصل في أليس الصبح بقريب إكمالًا لما قبله، وتجلية للرؤية المطلوبة في موضوعاته ومسائله، وتفصيلًا للآثار المترتبة على ذلك في ميداني التأليف والعلوم. وبعد أن تعرض قائد الإصلاح ورائده في جامعتنا الزيتونية إلى الحديث عن ثمرات العلوم وغاياتها، وبيان أطوار العلوم في الأمة، وربطَ تأخّرَ الأمة بتأخر
_________________
(١) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: ١٧٢ - ١٧٣.
[ ١ / ٢٣٥ ]
العلوم فيها، وقف بنا عند جملة قضايا مهمة: منها: القصد من تدوين العلوم، ولفت النظر إلى العلوم الإسلامية، وبيان أصناف المقبلين على العلم في مجتمعاتنا، منتقلًا من ذلك إلى ذكر الأسباب العامة، أسباب ضعف العلم وتأخّره عندنا. وَلَكَمْ يكون حريًّا برجال التربية والتعليم أن ينتبهوا إلى فقرات هذا الفصل، لِمَا له من علاقة أكيدة وارتباط كبير بما يتدبّرونه من قضايا، ويتناولونه من مشاكل تربوية وتعليمية، كان اعتمادهم في أكثرها على الآراء والنظريات البيداغوجية التي وضعها أصحابها لمجتمعات غير مجتمعاتنا، وأطفال غير أطفالنا، فيفيدون مما حرره العلماء، ويجدون فيه الغناء عن لوك مقالات المربِّين في القرون الوسطى من غير أهلينا.
وقد كان التمهيد لذكر أسباب التأخّر بالعودة بنا إلى حصر العلوم الإسلامية التي كان يعنى بها الشيوخ، متفرّغين إليها تلقينًا وتقريرًا وبيانًا وتحريرًا. وأبرزها الفقه واللغة والنحو وتفريع الفروع الفقهية والمسائل العلمية. وذلك للنظر في محتوى هذه العلوم وطُرق عرضها.
وكان أول ما انصرف إليه الشيخ ﵀ من الحقائق في هذا العلم هو التنبيه إلى أن تدوين العلوم كان من السلف بداعي النصح للخلف. وهذا لا يتم إلا متى حصل الإغناء من الأولين لمن بعدهم عن إضاعة الأوقات فيما فرغوا منه من استقداح الأفكار فيما جمعوه ودونوه من معارف وعلوم. وهكذا تقتصر مهمة الخلف على الزيادة على ما أخذوه عنهم وورثوه منهم. ويَضمن هذا عن طريق النظر والدرس والاستنتاج إيجاد الملكة العلمية، وترقية الأفكار، وصقل مرايا العقول. ولا يحصل الغرض الشريف من ذلك بأمر الناس بمتابعة ما وضع لهم، أو بتلقي ما بلغ إليهم من وضع الواضعين بكل
[ ١ / ٢٣٦ ]
تسليم، ولكنه يكون بصرف نظر المتعلم إلى نتائج تلك العقول ودرسها، فيتّبعها أو ينبذها إلى أحسن منها أو أوضح. وبهذا يجري الطالب على نسق أسلافه بعد تكوّن ملكته، فيستدرك عليهم، وينمي ما وصلوا إليه بتأملاته وإضافاته.