وإنا كلما تقدمنا في مطالعة المذكرات الإصلاحية للشيخ ابن عاشور أيقظتنا إضاءات وتنويرات، ونبّهتنا لأهميتها آراء وملاحظات، وذكرتنا عند مطالعتها قواعد وأصولًا، يغفل عنها المدرِّسون ولا يجهلونها، وإنما هي الرتابة والتعوّد وعدم الالتفات إلى أحوال المخاطبين، وبُعد أصحاب التصانيف عن أصول البلاغة صناعة لا نظرًا، أفقدتهم أسس النجاح، وجعلتهم فيما يقرّرون أو يكتبون يُملِّون وينفِّرون لما يشوب تآليفهم من عيوب تورث طُلّابَهم العياءَ وقلةَ الفهم.
ولذلك وجبت العناية بالتآليف تعريفًا وعرضًا، تحليلًا ونقدًا، توجيهًا وإصلاحًا. ومن كان في أوائل هذا القرن يقدر على ذلك مثل
_________________
(١) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: ١٦٣.
[ ١ / ٢٢٧ ]
العلامة ابن عاشور؟! فهو لسعة معرفته بهذا الموضوع، وكمال إحاطته بالفنون والمؤلفات، وغوصه في دراسة مناهجها وضبط خصائصها، قد تولَّى إلى جانب التاريخ لهذه الظاهرة العلمية التي تعلّقها طوال حياته بيان أوصافٍ وتعليلات وملاحظات وأحكام لا تجد الحديث عنها في كتاب، ولا في حلقة درس إلا نزرًا، ومن القليل القليل من أهل العلم.
ذكر ﵀ أمثلة من كتب جيّدة انبنت عليها النهضة في العلوم، وقام بها تأسيس النظر في عدّة فنون. وهذه معلومة مشهورة، ولكنَّها أُتبعت بعد وضعها وتصنيفها بأخرى استندت إليها، ورام الشيوخ في حلقات الدرس أن يلقّنوها طلابهم، ويعلّموهم ما شملته من قواعد ونظريات وأفكار. ولعله من الواجب، لاكتشاف بعض الحقائق والأسرار، أن ننظر بتأمّل في كتاب أليس الصبح بقريب. فهو يركز ملاحظاتِ مؤلفه ونقدَهُ على الكتب المدرسية، المقرَّرَة للمرحلة الأولى من التعليم الزَّيتوني، والتي يقوم التلميذ بدراستها ولمّا يبلغ في الغالب من العمر خمسة عشر عامًا.