الحمد لله الذي بعث محمدًا رسولًا، ليكون إلى معرفته سَبيلًا، وجعله إلى دينه هاديًا ومُهيبًا، وعلى خلقه شاهدًا ورقيبًا، وبالخير مُخبرًا ومبشّرًا، ومن الشرّ مخوّفًا ومحذّرًا، ولأعلام الإسلام ناصبًا، ولأحكامه ناصرًا. فصلى الله عليه أفضل صلاة صلاها على أحد من خلقه، وصلِّ اللهم عليه صلاة تليق بك منك إليه كما هو أهله.
وبعد، فإن الله عزّ شأنه وأحاطت ألطافه بخلقه، قد جعل من كتابه الكريم، ومن سُنة نبيه الأمين مصدرَي علم وهداية. قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ (١)، وقال: ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ (٢)، وقال رسول الله الأكرم - ﷺ - يوصي المؤمنين من حوله: "تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما مسكتم بهما كتاب الله وسُنة نبيه" (٣).
وقد ورث العلم والحكمة عن الرسل دعاةٌ إلى الله أصبحوا بميراثهم الزكي مصادر معرفة وعناوين نجابة وهداية. انتظمت فرائدهم ولآليهم كواكبَ منيرة كالأنجم الزهر ثم انطفأت، ولمعت في سماء العزّة والكمال أنوارها ساطعة ثم خبت، وهي على الدهر ذؤابة تضيء للناس وهي تحترق.
_________________
(١) سورة النساء: الآية ١١٣.
(٢) سورة البلد: الآية ١٠.
(٣) طَ: ٨٩٩.
[ ١ / ٢١ ]
وإنما حملنا على الاقتراب من هذا الكوكب اللامع، والاختلاف إليه، والاستنارة به، والاغتراف من فيوضه، طمعٌ يُدنينا من اقتباس بعض مزاياه، واكتسابِ جملة من عناصر نفاسته ومجادته. وقد لُذنا في ذلك بالعصابة الزكية من أبناء الرحم العلمية السادة الغرّ الميامين القائمين على شرف الفصحى وخدمة الدين. ولِما وثِقنا به من سعة المعرفة، وجميل الآداب من شيخنا وإمامنا، صاحب مقاصد الشريعة الإسلامية، تقدّمنا إليه مستأذنين، ومن علمه مسترفدين. والإمام، رغم تعدّد نشاطه في المجالات الدينية والعلمية والإصلاحية، كان لا يتوانى عن القيام بما يشعُرُ به من واجب، فيؤدّيه أحسن أداء، موفّيًا إياه حقّه من البحث والنظر، سُنة عرفناها منه، وخُلقًا نبيلًا درج عليه. وهو في كل ذلك يتحمّل العلوم أجملَ تحمّل، ويبلّغها أكمل تبليغ. كيف وقد رأينا جمهور الدارسين ينجذب إليه، ويقبل على دروسه ومجالسه، حيث العلم المستفاد والعمل المستجاد. ولم يكن يصدر عنه في هذه المقامات وبخاصة في حياته العلمية والسلوكية غير فهم صائب، ورأي ثاقب، ونظر عميق، وقول بليغ فصل.
ذلك هو ديدَنُه وما طَوَى عليه جوانحه من إقبال على الدرس، واهتمام بالثقافة الأصيلة، وتعلّق بالعلوم الإسلامية، ومنابع الحكمة التي تَرجع أصولها ومعاقدُها إلى حذق كتاب الله وسنة رسوله، اللذين ثافَنهما كبيرَ مثافنة، واكتسب منهما إيمانًا صادقًا، وتصوّرًا دقيقًا، وحُجة بالغة، ونفوذًا إلى أسرار ما همَّ بتحليله وعَرْضه، شاكرًا لأنعم ربه، متمسّكًا بحبله، منغرسًا في حقيقة التوحيد، مستجليًا من خصائص هذا الوجود صحَّةَ عقيدة، وصفاء نفس، ورقة مشاعر، وإخلاصًا لله في السر والعلن.
وإني لأستميح الله من فضله وتوفيقه ورعايته، عونَه على القيام
[ ١ / ٢٢ ]
بهذا العمل الجليل الذي ندبني إلى القيام به الواجب. وإنّي وإن تأخّرت عن الوفاء بذلك، قِبَل شيخنا - ﵀ - لأَجدُ لدَيَّ فيما أقدمه - إن شاء الله - انشراحَ نفس ورضاها، وعند إخوتي من أهل الطلب والعلم والفكر الإسلامي والأدب العالي إنعاشًا لنفوسهم، وإمتاعًا لأرواحهم، بوقوفهم جميعهم على هذه المشارف، حافظين شريعة ربهم، قائمين عليها، ساهرين على لغة قرآنهم التي كرمهم الله بها، وميّزهم بأن جعل الفصحى لسانهم، ومن أذواقها الرائعة تصرفاتِهم البديعة في أقوالهم. فهم لذلك منها يرتوون، وعنها يذودون.
وإني لأرجو الله أن يكون لي ولإخوتي من العلماء كافَّة بهذا الصنع الجميل سببٌ تتجلّى به رحمةُ ربنا علينا، فيَضع عنا أوزارنا، ويرفع بمنته أقدارنا، ما حرَصنا على التعريف "بمقاصد الشريعة" النيّرة السمحة التي فتح الله بها علينا، وجعلنا نتتبع فرائدها من خلال مصنّف شيخنا، عاملين إن شاء الله على تحقيق المراد من كتاب الله الكريم، بامتثال أمره ونهيه سبحانه، وبما أودع قرآنه من أسرار التشريع، ومقاصدِ الأحكام، وطرقِ الوصول إليها عند الخاصة من العلماء، أو حسبما درج عليه السلف من قبلهم، وبما تفجّرت به ينابيع السُّنة المطهرة من تشريع وبيان وهداية وحكمة.
وقد يُعيننا على إدراك ذلك، على الوجه الكامل، ما كان من حِرص الإمام الأكبر على طلب هذه المعاني، وتعظيمِه لها في التحرير والتنوير وفي سائر كتبه ورسائله الشرعية. وما كان يمكن لنا أن نُلمّ بجملة ما قصدناه من أغراض مقاصد الشريعة، إلا بجعل هذا الكتاب الذى نُقدّمه ثلاثة أجزاء متماسكة، تربط بينها وحدة الموضوع العلمي، والحديث عن الآثار الباهرة التي صدرت عن الإمام طوال حياته المباركة.
[ ١ / ٢٣ ]
ولتذليل ما قد يعوقنا من صعوبات، تَحولُ بيننا وبين استخراج أكثر المعلومات والتصوّرات والفرائد والفوائد، التي تراءت لنا من خلال دراسة هذه الشخصية الفذّة، أحببنا أن نجعل الجزء الأول من بحثنا مشتملًا على خمسة أبواب، لكل باب منها عدّة فصول، جميعُها يُعَنْوِن لجوانب ثرّة قمينة بأن يُفرد كل فصل منها بذاته بالدرس والنظر، ويبدو هذا واضحًا من خلال ترجمة الإمام.