وهكذا تتعانق الأجيال، وتلتقي على الخير. فلا يكون الفضل بسبب التقدّم زمانًا مطلقًا، ولا بما لابس أولئك العلماء من تقديس لأخذهم بمناهج المتصوّفة أو بظهور الكرامات، أو بالانتماء إلى طائفة معيّنة ونحلة خاصة، أو بالحفاظ على عادات وتقاليد ليست من جوهر العلم ولا مما يتَّصل به أو يتولّد عنه، وإنما أسباب التفضيل التي يقرّ بها العامة والخاصة، ويرونها معايير توزن بها جهودُ الرجال وطاقاتُهم، واتساعُ مواهبهم، وألوان إنتاجهم التي تقوم عليه المدارس العلميّة النافعة، والمذاهب الفكرية الراشدة.
وقدم الناس في كل عصر مَن تميّز من بينهم بالإقبال على العلم والإعراض عن زخارف الدنيا، والنصيحة للكَافة وللخاصة، ومن جهة ثانية المتقنين للعلوم، الواضعين لقواعدها، المبدعين في صنوفها، الذواقين الكاشفين عن أسرارها، والأسخياءَ الذين تَرَقَّوْا بتلك
[ ١ / ٢٢٦ ]
العلوم، وأفاضوا على القريب والبعيد من معارفها. فبهذا يتعارف الخيّرون، ويتنادى المُصلحون، وتبرز الصلة متينة قوية بالمضي على نفس المنهج، وتتواصل الجهود بين السابقين واللاحقين. وهذا ما حمل الشيخ ابن عاشور على التنويه بهؤلاء في قوله: "إنهم غرسوا لنُنمي، وأسّسوا لنَشِيدَ، وابتدأوا لنزيد. ولست مقتدرًا أن أقنع نفسي بأنَّهم كانوا في درجة واحدة من العلم، بل منهم العالم المنشىء لقواعد وأصول، ومنهم الذي لم يشتهر اسمه إلا بفضل عوارض" (١). وهذا التفاوت بين الأعلام المشهورين يرجع بدون شك إلى ما فطروا عليه، وإلى ما هذبوه ونمّوه من ملكات، وما رزقهم الله من مواهب وقدرات، أو اكتسبوه من طاقات وتخصّصات.