كان عمل خير الدين في هذا المجال متأثرًا بالمنهج الذي دعا إليه في كتابه أقوم المسالك. نزع فيه منزع الرصانة والتجديد: الأصالة والتفتح. وكان من نتائج همّة هذا الوزير، بعد سنة من إنشائه للجنة الإصلاح الزيتوني التي تولّى رئاستها بنفسه، فراغ هذه اللجنة من عملها في ذي القعدة ١٢٩٢/ جويلية ١٨٧٥.
وقد ضَمَّت لجنةُ تنظيم التعليم ووضع القوانين للزيتونة، إلى جانب الوزير خير الدين رئيسًا، عددًا من أنصار دعوته من أهل العلم ورجال الحكومة، فكانت تتركب من الشيخ محمد العزيز بوعتور وزير
_________________
(١) محمد مختار العياشي. البيئة الزيتونية، ترجمة حمادي الساحلي: ٢٤.
[ ١ / ١٧٨ ]
القلم، والشيخ أحمد ابن الخوجه المفتي الحنفي، والشيخ محمد الطاهر النيفر القاضي المالكي، والشيخ عمر ابن الشيخ مدرس، والشيخ محمد بيرم مدرس، والسيد العربي زروق.
ودخل الأمر حَيِّز التطبيق بعد ستة أشهر من التاريخ المذكور. ويتكوّن قانون تنظيم الزيتونة من خمسة أبواب، تشمل سبعة وستين فصلًا:
الباب الأول: يُعنى بالدراسات والكتب الواجب دراستها: ص ١ - ٦.
الباب الثاني: يضبط واجبات المدرّسين، ويحدّد حصة الدرس بينهم بساعة ونصف الساعة: ص ٧ - ١١.
الباب الثالث: ينظم شؤون الطلاب، ويقتضي منهم أن يكونوا مصطحبين لدفاتر الشهادات التي يسجل بها حضورهم الدروس، ونتائج امتحاناتهم. وهي الوثيقة المعتدّ بها لإعفائهم من ضريبة المجبى، ومن الخدمة العسكرية: ص ١٢ - ٣٢، كما يلزمهم النظام الحزم وحسن السلوك ومراعاة حرمة المعهد.
الباب الرابع: يحدِّد طرق مراقبة العمل وسير الدروس بالجامع، وأحوال الطلبة وسلوكهم. وقد عهد بذلك إلى هيئة أسسها القانون، هي هيئة النظارة العلمية: ص ٣٣ - ٥٣. وجعل الامتحان سنويًا يبدأ في ١٣ يونيو من كل سنة بمقر الحكومة بدار الباي، بحضور موظف حكومي.
الباب الخامس: مخصص لشؤون المكتبة وترتيبها وسير العمل بها.
ثم صدر بعد هذا الأمر أمر جديد بعد شهر واحد من صدور
[ ١ / ١٧٩ ]
الأمر الأول. وهو يكِل مهمة تطبيق ما جاءت به الترتيبات إلى أمير الأمراء حسين وزير التعليم العمومي (١).
ويمتاز ترتيب خير الدين بأنه أكثر من عَدَدِ العلوم التي تدرس بالجامع الأعظم، وحدّد كيفية ابتداء تعليم التلميذ، والعلوم التي يتلقاها أولًا، ومراتب التدريس للكتب، وشهادات الحضور، والسيرة، وترتيب التعليم من حفظ وفهم، كما حدَّدَ للدرس حصة زمانية، وللمدرسين صفة تقرير الدرس، وترتيب الدرس من قواعد وشرح وقراءة وتمرين، وجعلت طريقة التدريس طريقة الإملاء (٢)، وجعل الامتحان لتحصيل شهادة التطويع (نهاية للتعليم الثانوي) لمن زاول الدراسة بالجامع المدة المحددة وشهد له الشيوخ بذلك.
كان أول من شارك في هذا الامتحان ١٣١٧ شيخنا الإمام الأكبر محمد الطاهر ابن عاشور. وكانت شهادة التطويع، شهادة للخرّيج الحاصل عليها بكونه ذا ذهن قوي، وعقل مدرك للحقائق، قدير على إيصالها إلى أذهان طالبيها. وهي تخوِّله التصدّي للإقراء (٣)، كما أحدث المناظرة بين المترشِّحين للحصول على خطة التدريس الرسميّة، وأوكل المراقبة العامة للنظار ولنواب الحكومة لسائر الأحوال العلمية، وللمطبوعات.
_________________
(١) فان كريكن (ج. س). خير الدين والبلاد التونسية. تعريب البشير ابن سلامة: ٢٠٣.
(٢) هي المعروفة اليوم بطريقة المحاضرة، وهي التي كانت تدور في المجالس، وتعرف بالأمالي، كأمالي المبرد، ومجالس ثعلب، وأمالي ابن الشجري، وأمالي القالي، ونحوها.
(٣) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: ٢٣٦، ٢٣٩.
[ ١ / ١٨٠ ]
ثم تلا هذا قانون ثانٍ عزّز الأول، كان به ترتيب النظارة، وتسمية مستشار للمعارف ونائبَيْن عنه لمراقبة أحوال التعليم وإجراء التراتيب (١).