إن الاتجاهات الفكرية والمناهج الإصلاحية التي رمزنا إليها بما كان يجري في بلاد المشرق والمغرب، وكل الأحداث التي واجهت الشيخ ابن عاشور، وأوضاع التعليم وأسباب ضعفه، وأحوال البيئة الزيتونية بما التأم فيها من شيوخ وطلبة وجهاز إداري وأوضاع اجتماعية مشتركة في الغالب بين جميع الأفراد، وكل مبادرات الإصلاح للتعليم بجامع الزيتونة بأسبابها ودواعيها وموادها وعناصرها ومراحلها، وما أثارته من اختلافات أو نزاعات حولها، كانت حاضرة لدى الإمام الأكبر ذهنيًا وهو في عزّ شبابه، لمّا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره، حين أقبل على تصوير المجتمع الزيتوني الذي ينتسب إليه، ويعيش معه وبين أفراده، مقدّمًا لنا ما كان له فيه من آراء، وعليه من ملاحظات. وقد شعر في بادىء تجربته الخاصة في ميدان الإصلاح بما حمله على التردّد أحيانًا، ثم أعقب تردده عزم ومضيٌّ فيما أجمع عليه من الأمر. قال في بداية مذكراته أليس الصبح بقريب وهي مدوناته الإصلاحية:
"قد كان حدا بي حادي الآمال، وأملى عليّ ضميري، من عام واحد وعشرين وثلاثمائة وألف، للتفكير في طرق إصلاح تعليمنا العربي والإسلامي، الذي أشعرتني مدة مزاولته، متعلمًا ومعلمًا، بوافر حاجته إلى الإصلاح الواسع النطاق. فعقدت الحزم على تحرير
[ ١ / ١٩٧ ]
كتاب في الدعوة إلى ذلك، وبيان أسبابه. ولم أنشب أن أزجيت بقلمي في ابتداء التحرير، فإذا هو يسابقني كأنه من مطايا أبي العلاء القائل:
ولو أن المطيّ لها عقول وجدّك لم نَشُدَّ لها رحالا
وصادفتُ أيام عطلة التدريس الصيفية في ذلك العام، فقضيت هواجرها الطويلة وبكرها الجميلة في هذا العمل" (١).
وعاد العلامة المصلح إلى كتابه، فأتمّه بعد ذلك في ثلاثة أصياف. وحالت دون تهذيبه وإصداره موانع جمة، لم تزل تطفو وتركد، وتغفو وتسهد، لكنه بحمد الله مضى فيما شرع فيه، وهو يقول:
"غير أني لم أدع فرصة إلا سعيت إلى إصلاح التعليم فيها، بما ينطبق على كثير مما تضمّنه هذا الكتاب. فاستتب العمل بكثير من ذلك وبقي كثير، بحسب ما سمحت به الظروف، وما تيسّر من مقاومة صانع منكر ومانع معروف" (٢).