فمن بداية الدولة الحسينية التفت الأمراء إلى العناية بجامع الزيتونة ورجال العلم به. فكان ذلك شأنَ مؤسس الدولة الأمير حسين بن علي، وشأنَ ثلة من الأمراء من بعده، مثل الباشا علي باي الأول، وكان بذلك إعمارٌ ونسخٌ لما سبقه من إهمال وإغفال في عهد الدولة المرادية.
المراحل الأولى للإصلاح في عهد المشير أحمد باي الأول (١٢٥٣/ ١٨٣٧ - ١٢٧٢/ ١٨٥٥):
سبق لنا التنويه بما أظهره المشير أحمد باي الأول من اعتناء بهذا المعهد الذي زوّده بخزائن نفيسة من الكتب، وَقَفَها على طلبة العلم به. كما أصدر أمرًا عليًّا ١٢٥٨/ ١٨٤٢ في تنظيم التعليم به، وترتيب دروسه، وتعيين هيئة من العلماء هي النظارة العلمية، المتكوّنة من شيخ الإسلام وباش مفتي المالكية، ومن القاضيين الحنفي والمالكي، لمراقبة سير الدراسة والإشراف عليها. وضَبَط أمر ترتيبَ تدريس العلوم بالجامع، وحفظ المكتبة، والمحاسبة على مالية التعليم. وهذا الترتيب مثبت بالمعلّقة الواقعة بجوار باب الشفاء بالجامع. ولئن كان الشيوخ المدرّسون يمثلون الطبقة الأولى من جهاز التعليم، فقد أحدث الأمر العلي الصادر سنة ١٢٦٥/ ١٨٤٨ طبقة ثانية لهم. وكان التقدم من هذه الطبقة إلى الأولى
[ ١ / ١٧٥ ]
مشروطًا بالانتساب إلى الثانية، وموكولًا لاختيار النظارة. ثم حُكِّمت المناظرة العلمية بين من يروم من المتنافسين الالتحاق بالطبقة العليا.
ولكن هذا النظام اختلّ بعد وفاة المشير أحمد باي الأول، وقصّر كثير من الشيوخ في القيام بواجباتهم.
بداية الإصلاح في عهد المشير محمد الصادق باي (١٢٧٦/ ١٨٥٩ - ١٢٩٩/ ١٨٨٢):
تلافى المشير محمد الصادق باي الوضعَ، وأظهر بإشارة من أعضاده عناية بالزيتونة. وأسّس برواق جامع الزيتونة المكتبة الصادقية، الشهيرة بالعبدلية سنة ١٢٩٢/ ١٨٧٥. وتولّى وزيره خير الدين ضبط أحوال الدروس والمدرّسين بالجامع الأعظم، وأسقط ضريبة المجبى على المنقطعين لطلب العلم.
وقد يكون الدافع لمثل هذه التصرّفات محاكاة كبار الملوك والسلاطين في الدول الأخرى، أو الرغبة في التقرّب من الرعية، وحُسن الذِّكر.