إن من يُعِد النظر، متدبِّرًا سير حركة التأليف في مختلف أطوارها، يجد هذا محكومًا في طبيعة الزمان بحال الأمة. وذلك ما حمل الشيخ ابن عاشور، بين يدي نقده لأوضاع الكتب في عصره وما قبل عصره، على استعراض أحوال التأليف ومدارسه ومناهجه قديمًا وحديثًا، مذكّرًا بما كان من ذلك في صدر الإسلام عند نشأة العلوم الإسلامية وظهور الكتب الأصلية فيها، وبما كان من نشاط فكري في العواصم الفكرية بمصر والشام، والقيروان وإفريقية والأندلس والمغرب. فإذا قضى من ذلك وطره، ولو في عبارات موجزة مختصرة، انتقل إلى النظر في الكتب المدرسية التي يزاول الطلبة دراستها والنظر فيها، بما يتلقّونه عن شيوخهم، وما يمارسونه من التدرّب أو المراجعة لها بإشرافهم.
وقد لاحظ الإمام العلامة المصلح بُعدَ هذه التآليف عن المنهج المحمود. وذلك لخلوّها من مراعاة أبسط قواعد التربية والتعليم، وجهل مؤلفيها بأحوال الطلاب الفكرية، وباستعدادات ومؤهلات المقبلين على دراستها في أطراف البلاد الإسلامية.
والحق أن عامة المصنِّفين في مواد العلم الإسلامي كانوا يحدّدون الغاية من تدريس ما يضعونه من الكتب في مختلف العلوم، فيحفلون بها وبموضوعاتها وبأصولها وفروعها خدمة للعلم الشرعي وللسان العربي. ولم يكن يشغَل عامتهم إلا من قلّ منهم، التفكيرُ عند وضع تأليفه في أيِّ فنٍّ أو مادة بسن التلميذ أو الطالب، وبمرتبته الفكرية أو الدراسية، إذ لم يكن هذا من شأنهم ولا مقصودًا منهم ولا مطلوبًا عندهم. وهم يسبقون المدرسة والمعهد والطلاب، فلا يضعون في الاعتبار عند التأليف حاجاتهم، وإنما هي كتب موضوعة
[ ١ / ٢٣٤ ]
كمقدمات للعلم، فمختصرات أو نَظْم لها، أو شروح وحواشٍ وتعليقات، أو مطولات. ومن أجل ذلك تختلط فيها مسائل العلوم، ويكثر الجدل والمناقشات، وترد فيها القضايا الكثيرة في غير تناسب بينها ولا ترتيب. فلا يتصوّر بعد ذلك تمكّن الشيوخ أو الإدارة أو الطلاب من اختيار كتبهم للدراسة، مراعين في ذلك التكوين العلمي والتدرج المعرفي والجانبين الضروريين النظري والتطبيقي، وبخاصة في المرحلة الأولى من التعليم.
قال الأستاذ الإمام الأكبر: "إنّ كُتُبَ التعليم عندنا لمّا لم يضعها أصحابُها لغرض التعليم، أو لم يراعوا فيها انتساب بعضها من بعض نظرًا إلى طبقات التعليم، اعتمد كل واحد من المؤلفين طريقة توخّى فيها ما اعتقده الأصح للناظرين، ولم يلتفت أكثرهم في الماضي إلى وجوب التدرّج للتلميذ؛ أي: إلى تنقله من معلوم إلى مجهول" (١). ولم يكن في تقديري أن هذه هي حال الزيتونة، ولكنها السمة الغالبة على غيره من المعاهد؛ كالأزهر والقرويين وسائر المعاهد الدينية.