دلَّت التجربة التي مرّ بها الشيخ ابن عاشور في عمله الإصلاحي، وأثبت أهميتها في خطبه الكثيرة، وبكتابه على وجه الخصوص، على وجوب تسلح المصلح، ومن يختار هذه المهمة الشاقة السامية في حياته، بأمرين اثنين:
أحدهما: أن يكون مؤهلًا للاضطلاع بالعمل الإصلاحي في ميدان التعليم. ومن أهم شروط هذا التأهل أن يكون ممّن أنشأه هذا
_________________
(١) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: ٥.
(٢) نفس المرجع.
[ ١ / ١٩٨ ]
التعليم نفسه، عارفًا بحاجات الزمان وغايات العلوم، نظّارًا إلى الروح لا إلى الجثمان، بعيدًا عن متابعة السفاسف، خبيرًا بما أصاب مزاج التعليم من العلل، وبأنواع أدويتها (١).
ثانيهما: أن يكون المصلح صادقًا مخلصًا صبورًا مثابرًا على أداء واجبه، قادرًا على إقناع من حوله من الناس بضرورة الإصلاح، فلا يتغافلون أو يتقاعسون، ولا يُعرضون أو يمتنعون بعد، بل يشدّون على يديه، ويبذلون الوسع في التعاون معه لتحقيق الغاية وبلوغ القصد.
ولعل من أهم الطرق إلى بلوغ ذلك اعتماد سياسة الترهيب والترغيب، بتوجيههم إلى ذكر ماضيهم والاعتبار بأحوال حاضرهم، والأوضاع السيئة والمزرية، القلقة والمضطربة، التي تنتابهم في مسيرتهم العلمية. كما ينبغي للمصلح القيام بتصوير منافع الإصلاح وغاياته، ومقاصده القريبة التي لا يصعب على المرء اكتسابها والبلوغ إليها، والبعيدة التي أساسها التغيير والتلقيح والتعصير، وهذه تحتاج إلى عطاء وبذل واستمرارية وتضافر جهود.