عني رائد الإصلاح بالكشف عن أسباب ضعف التعليم وتأخّر العلوم كما سيرد مفصلًا في المطلب الثالث من القسم الرابع من هذا الجزء. وتولّى بجرأة فائقة نقد العلوم وإبداء بعض ملاحظاته فيها، متعرِّضًا إلى الكتب والمصنفات، مبينًا ما فيها من غلط وخطأ واضطراب، يحمل الباحثين على تغييرها، ويبعث همم الأساتيذ والأخصائيين في كل فن إلى وضع كتب دراسية أخرى أسلمَ وأيسرَ منالًا بَدَلَها. وهذه الظاهرة تكاد تكون عامة في كتب الوسائل والمقاصد (١).
ومما تجدر الإشارة إليه من تتمة العوارض أمثلة مما كان يجري في عصره وقبل عصره كالذي وقف عليه الإمام في تفسير عبد العزيز الدباغ، وعند الشيرازي في ديباجة شرحه للمفتاح، وفي شرح التلخيص، من أوهام، تتصل بالأحكام التي يتخيَّلونها في أحلامهم وقد كُشف عن مغلقاتها. فيثقون بأنفسهم وهم رقود بما كانوا يشكّون فيه وهم أيقاظ.
وحين ضاق بأقاويل الإمام النقدية بعض المتعالِمين وأفحمتهم الحجة حاولوا الاعتذار عن كل ذلك بقولهم: إن كتب التعليم عندنا لم يضعها أصحابها لغرض التعليم، وإنما لكل واحد من المؤلفين
_________________
(١) سيأتي الحديث عن هذا مفصلًا في القسم الرابع في مطالبه النقدية الأول والثاني والثالث: ٢٢٢ - ٢٤٢.
[ ١ / ٤٢ ]
طريقة توخّى بها ما اعتقده الأصح للناظرين. ولم يلتفت أكثرهم إلى وجوب النقل من التليد.
وكل هذا كان مدعاة لتوارث العقول ذلك الاختلال واعتياد التشتيت. وأعظم إضرارًا من ذلك نال كتب المرتبة الابتدائية؛ فانظر إن شئت كثيرًا منها في حِلَق التدريس تَرَ مَدّ الأعناق وألسنةً تلوكها الأشداق وصياحًا يملأ السبع الطباق، ثم لا تَنال بعد الزمن الطويل إلا سواد أوراق (١).
وفي عرضه للعلوم المختلفة كاد يخص العلوم الإسلامية وحدها بالتعريف. وجعل منها علوم المقاصد؛ وهي خمسة: التفسير، والحديث، والفقه، وأصول الفقه، وعلم الكلام.
وعلوم الوسائل؛ وهي ستة: اللغة، والنحو، والصرف، والمعاني، والبيان، والبديع.
وعلوم مساعدة تكميلية هي: الفلسفة، والعلوم الرياضية.
وفي لمحة تاريخية عن هذه العلوم الإسلامية، يذكر أن المسلمين بعامة، والعرب بخاصة كانوا يبدؤون تعلمهم بحفظ القرآن، وجمع الأحاديث النبوية، وتلقي ما ألقاه صاحب الشريعة من توقيف على آحاد المسائل، ثم ارتقوا في حدود سنة عشرين إلى اكتساب المسائل، فتخصصوا، وقيّدوا النصوص، واستنبطوا الأحكام باعتماد ما يشبه قياس الشبه أو التنظير أو تنقيح المناط. وبعد ذلك بحثوا وقاموا بالتصحيح والتعليل ولكن لما استنبطوا واستحسنوا لا لأصل الدين، إذ لا تقبل الشريعة الطور الرابع (٢). ويعقب الإمام على هذا
_________________
(١) ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: ١٧١.
(٢) ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: ١٧٥.
[ ١ / ٤٣ ]
المنهج الذي سار عليه الأسلاف قائلًا: إن العلوم ما دونت إلا لترقية الأفكار وصقل مرائي العقول. وإن القصد من النظر في كل علم هو إيجاد الملكة لإصلاحه.
وبعد النظرة العامة التي شملت كل العلوم الإسلامية يُحدِّد الإمام موضوعاته قائلًا: أما الآن فالغرض الإلمام بأسباب تأخُّر كل علم في ذاته حتى يكون من بحثنا لها نبراس نضيء به مسالك ما ينتحيه الأساتذة، وما يهجرونه في أوقات المطالعة والتحرير، وليكون ذلك أيضًا تمهيدًا لتأليف كتب قيّمة (١).
* * *
وآثار الإمام الأكبر وإنتاجه غزير ومتنوع. نجد صورة ذلك فيما دونه في مختلف العلوم، شرعيها كالتفسير والسيرة والسُّنة وأصول الفقه ومقاصد الشريعة والفقه والفتوى في مسائل العبادات والمعاملات، وفيما استجد من مسائل مختلفة، وفي العقيدة وعلم الكلام.
وفي علوم اللغة العربية والبلاغة والأدب وما صدر له من شروح وتحقيقات في ذلك.
وسنخصّ بالبحث هذا الجانب العلمي بشيء مما أتيح لنا من تفصيل القول فيه بإذن الله في القسم الخامس من هذا الجزء.
* * *
_________________
(١) ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: ١٨٤.
[ ١ / ٤٤ ]
القسم الأول