لإبراز نتائج المقارنة، لطلبة الجامع الأعظم وخريجيه، بين أمسهم المشرق، ويومهم الغائم الرضف، ومن أجل شحذ هممهم وتحريك عزائمهم لعملية التجديد والتغيير التي دعا إليها الشيخ ابن عاشور، لا بد أن يركن دعاة الإصلاح ورجاله إلى الدعامة الثالثة فيعالجون مشاكلهم بالبر والتقوى والنصيحة والمعروف، ليستشعروا من وراء ذلك عظيم رسالة جامع الزيتونة معهدهم العتيق والوحيد، ويذكروا ما غاب عنهم من إشراقه الديني والفكري، وإشعاعه وسلطانه
_________________
(١) محمد الحبيب ابن الخوجه. شيخ الإسلام وشيخ الجامع الأعظم محمد الطاهر ابن عاشور. جوهر الإسلام. السنة العاشرة، عدد: ٣، ٤: ١٥.
(٢) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: ١١٤ وما بعدها.
[ ١ / ٢٠٢ ]
الروحي والعلمي، بسبب رتابة حياتهم وعاداتهم المضلّة، والمفترض أن يكونوا على علم وبيّنة، بل على اعتقاد ويقين، بما يرام من وراء هذا التعليم، وبما حقّقه في الماضي، وما يمكن أن يحقّقه لهم من طموحات وآمال.
فليس التعليم عندهم مقصورًا على ما يبلغ به المرء إلى استخدام النفوس في مقاصد الدين، كما كان الشأن لدى الأمم السالفة التي كان معظم نظامها مستمدًا من الأديان في الكليات والجزئيات. فذلك تعليم اختصاصي لحملة الأسرار الدينية من كهنة وسدنة. وهو لا ينطبق أساسًا على صبغة التعليم الإسلامي ومراكزه عندنا (١). ولكنه تعليم يحفظ على الأمة دينها الذي به ازدهارها في الحياة العاجلة، وسعادتها في الحياة الأبدية الآخرة، كما يحفظ عليها لغتها التي هي ضمان جامعتها، ومظهر مفاخرها وعزتها.
ولكون هذا التعليم يفيد ارتقاءً في النوع الإنساني وكمالًا، باعتبار استجابته لحاجات العصر ومن به من الأقوام، وهو ما تتفاوت فيه مدارك الناس، كانت الغاية منه أن يفيد ترقية المدارك البشرية، وصقل الفطر الطيبة، لإضاءة الإنسانية وإظهارها في أجمل مظاهرها، فيخرج صاحبها من وصف الحيوانية البسيط، وهو الشعور بحاجة نفسه خاصة، إلى ما يفكر به في جلب مصلحته ومصلحة غيره، بالتحرز من الخلل والخطأ، قدرَ الطاقة، وبحسب منتهى المدنية في وقته (٢).
وهذا المعنى هو الذي فصّله الأستاذ الإمام في قوله من خطبته
_________________
(١) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: ١٣.
(٢) المرجع السابق: ١٢.
[ ١ / ٢٠٣ ]
بالجامع الأعظم: "فعلينا أن يكون طلبة العلم بالمعهد الزيتوني علماء بالأصول الإسلامية، والمعاملات الفقهية التشريعية، والآداب الدينية والأخلاق القويمة، وعلوم آداب اللغة العربية، وما يتحصّل بذلك من تاريخ الأمة وتاريخ أحوال وضعيتها من الأمم المعاصرة لها في سائر عصورها، وتاريخ رجالها وسيرهم" (١).
ولم يخلُ هذا المعهد في أي العصور من علوم تكمل مدارك خريجيه تكميلًا يؤهلهم لمسايرة أحوال مجتمعاتهم. ونحن اليوم في عصر صار فيه المجتمع الإنساني بمنزلة مجتمع القطر الخاص. وامتزجت حاجات الأمم ومصالحها به بعضها ببعض. فأصبح تقارب الثقافة بينهم ضربة لازب، وصار ما كان يعد تكملة موضوعًا الآن في عداد الواجب. فلذلك كله لم يَغْنَ التلميذ الزيتوني عن أن يضرب مع أمم عصره بسهم صائب. وذلك يلزمه لا محالة إلى أن يصعد في جو الثقافة الزمنية إلى مرتقى لا يقعد به عن مجاراة أرقى الأمم إحاطة بدلائل الحياة السعيدة، ولم يغن عن الأخذ بالنصيب الكامل مما يتناوله أمثاله من علوم التبصر، فلا يعدم بصارة بأحوال العالم، تبَصُّرَ خريجي المعاهد الراقية. وبرامج ذلك توضع على وفق المناسبة للمراتب التي يختار التلميذ الانتهاء إليها، على وجه تحصل به التكملة ولا يضاع معه الأصل" (٢).
ومن هنا نصل إلى غاية الغايات من التعليم الإسلامي، وأسنى مقاصده. وذلك هو إنتاج قادة للأمة في دينها ودنياها، وهداةٍ هم
_________________
(١) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: ١٢.
(٢) محمد الطاهر ابن عاشور. خطاب شيخ الجامع الأعظم، المجلة الزيتونية عدد ممتاز. المجلد السادس، الجزء ٢ و٣/ ٣٦٣ - ٣٦٦.
[ ١ / ٢٠٤ ]
مصابيح إرشادها، ومحاصد قتادها، ومهدئو نفوسها إذا أقلقها اضطراب مهادها (١).