وهنا تبرز الدعامة الثانية للإصلاح التي تدفع إلى نقض الأوضاع، والبحث عن العلل، والسعي إلى التغيير. وهي تتمثل في إلقاء نظرة عميقة فاحصة على الواقع المرّ والوضع السيِّئ الذي انتهى إليه ذلك المركز العلمي الجليل جامع الزيتونة، والدهش مما حَلَّ بأهله من غفلة ونكوص. وتحمل على المقارنة بين هؤلاء وأسلافهم ما كنا نبّهنا إليه من إهمال الضبط، واختلال النظام. فلا المناهج محدّدة، ولا الكتب مقرّرة، ولا الأوقات معيّنة، ولا المدرسون مراقبون، ولا المتطوِّعون قائمون بما التزموا به من حصص الدرس. فالانسياب مُسْتَشْرٍ، والفوضى مسيطرة على كل شيء. وطلاب العلم بهذا المعهد متفاوتو الأعمار، متمايزو المواهب والاستعدادات. ومما يزيد الوضع سوءًا الغفلة عن تنظيم درجات التعليم، وإعطاء كل مرتبة من المراتب ما تحتاجه من عناية، ويناسبها من أسلوب لائق بها نافع لها. فقد أهملت التمارين التطبيقية في عامة الدروس حتى
_________________
(١) مريم: ٩٥.
[ ١ / ٢٠١ ]
بالمرحلة الابتدائية، وترتّب على ذلك ضعف الملكات اللسانية وقِلّةُ التحصيل. وخلا التعليم من المواد التربوية، وعَرِي مما يفيد التلامذة اطلاعًا على أحوال الأمم وارتباطًا بواقع الحياة خارج جدران الجامع. وجمدت المعارف لدى هؤلاء فلم يتجاوزوا ما ورد منها بالكتب من آراء وتقريرات لاستظهارهم إياها بغير نظر ولا تمييز ولا نقد حتى في المرتبة العالية من التعليم أو القريبة منها. وقصرت الهِمم عند ذوي الكفاءات العلمية عن التأليف، وبقي جميعهم مقيدًا في مواد الدراسة بمصنفات وكتب مرت على تأليفها وتصنيفها قرون، فتحجَّرت العقول وتعطلت آلة التدبر والتفكير (١).
وقد تعرض العلامة المصلح الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور إلى تفصيل القول في ذلك كله عند بيان أسباب تأخر التعليم وفساده، فلم يترك في ذلك مقالًا لقائل (٢).