فمما نعته به صديقه الإمام الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر قوله: "وللأستاذ فصاحة منطق، وبراعة بيان. ويضيف إلى غزارة العلم وقوّة النظر، صفاءَ الذوق، وسعة الاطلاع في آداب اللغة كنت أرى فيه لسانًا لهجته الصدق، وسريرة نقيّة من كل خاطر سيِّئ، وهمّة طمّاحة إلى المعالي، وجِدًا في العمل لا يَمَسه كلل، ومحافظة على واجبات الدين وآدابه وبالإجمال ليس إعجابي بوضاءة أخلاقه وسماحة آدابه بأقل من إعجابي بعبقريته في العلم" (١).
وذكره العلّامة الشيخ العالم اللغوي الأديب محمد البشير الإبراهيمي قائلًا: "عَلَم من الأعلام الذين يعدّهم التاريخ الحاضر من ذخائره. فهو إمام متبحِّر في العلوم الإسلامية، مستقلّ في الاستدلال، واسع الثراء من كنوزها، فسيح الذرع بتحمّلها، نافذ البصيرة في معقولها، وافر الاطلاع على المنقول منها. أقرأ وأفاد، وتخرّجت عليه طبقات ممتازة في التحقيق العلمي.
وهذه لمحات دالَّة في الجملة على منزلته العلمية، وخلاصتها أنه إمام في العلميات لا ينازع في إمامته أحد.
وأما عن دوره الإصلاحي المتميز فقد ذكر "أن الذين يثيرون في وجهه الغبار، أو يضعون في وجهته العواثير لمجرمون، وإنا إن
_________________
(١) محمد الخضر حسين. تونس وجامع الزيتونة: ١٢٥ - ١٢٦؛ محمد محفوظ. تراجم المؤلفين التونسيين: ٣/ ٣٠٦.
[ ١ / ١٦٩ ]
شاء الله للأستاذ الأكبر في طريقه الإصلاحي لمؤيدون وناصرون" (١).
ودرس العلماء والمفكرون كُتب الإمام وآثاره، وتأثروا بها أيما تأثر، فقال عنه الداعية المصلح الشيخ محمد الغزالي: هو رجل القرآن الكريم، وإمام الثقافية الإسلامية المعاصرة الرجل بدأ يتكلم عن اللغة، ويتكلم بها أديبًا أقرأُ كلماته في التحرير والتنوير فأستغرب لأنه وطأ كلمات مستغربة وجعلها مألوفة، وحرر الجملة العربية من بعض الخبات الذي أصابها في أيام انحدار الأدب في عصوره الأخيرة. ولكن الرجل لم يلق حظه ابن عاشور لا يمثل صورة من اللحم والدم، إنما يمثل تراثًا أدبيًا علميًا عقائديًا أخلاقيًا (٢).
وتحدث الأستاذ الدكتور مصطفى زيد عنه بعد سبع سنين من إصداره الطبعة الأولى من كتابه مقاصد الشريعة الاسلامية، معجَبًا بتصرفاته وطريقته في الحديث عن المصلحة قائلًا: وتمضي الأعوام فلا نرى في المصلحة كلامًا ذا وزن حتى خرج علينا شيخ جامع الزيتونة السيد محمد الطاهر ابن عاشور بكتابه المقاصد (٣).
وعن الكتاب نفسه يقول الأستاذ الدكتور البوطي: من أهم ما يمتاز به هذا الكتاب فيما أعتقد، أنه أول مؤلف يعالج موضوعًا من أبرز وأهم الموضوعات في أصول الفقه، ألا وهو مقاصد الشريعة الإسلامية، ويفرده بالبحث والتحليل لا ريب أن صنيع العلامة المرحوم ابن عاشور يعد تأسيسًا كبيرًا لذاتية هذا العلم ورسمًا لإطاره الذي ميزه عن غيره (٤).
_________________
(١) ذكرى الإمام (وزارة الشؤون الثقافية: إدارة الآداب).
(٢) مجلة الوعي الإسلامي، عدد ٢٨، أبريل ١٩٨٦، السنة الحادية عشرة، ص ٤٤.
(٣) المصلحة في التشريع الإسلامي ونجم الدين الطوفي. دار الفكر العربي. ط. (١) مصر ١٣٧٤/ ١٤٥٤. ص ٢٣٥.
(٤) مجلة الوعي الإسلامي: ٤٥ - ٤٦.
[ ١ / ١٧٠ ]
أما الأستاذ الدكتور سعيد الأفغاني فقد كتب عنه قائلًا: هو خطوة سديدة نحو إنشاء علم أصول الأصول في الفقه (١).
وقفى على هؤلاء الأستاذ الدكتور عبد المجيد النجار الذي وصف كتاب المقاصد بأنه تطوير وتهذيب (٢).
ودعا البحثُ في مقاصد الشريعة والنظر في جملة مما كتب عنها إلى الانتهاء إلى مقالة الأستاذ الدكتور إسماعيل الحسني في مقارنته بين مقاصد الشاطبي في الموافقات ومقاصد الشريعة الإسلامية عند الإمام الأكبر. قال: فقد اعتقدت أنه لم يعد هناك مجال للبحث في مقاصد الشريعة كبحث متميز في علم الأصول لأن الإمام الشاطبي لم يترك جانبًا من جوانبه إلا استوفاه وأتقنه. واستقر في ذهني بسبب ذلك أن البحث في المقاصد لن يتجاوز توضيح ما سطره رُواد الفكر المقاصدي من الأصوليين وخاصة الشاطبي إلا أني ازددت شكًا في هذا التصور كلما أمعنت في دراسة فكرة المقاصد الشرعية عند الإمام محمد الطاهر ابن عاشور من خلال أهم مؤلفاته واقتنعت اقتناعًا كاملًا بأني إزاء نظرية في المقاصد الشرعية بعد ما تردد أصولها إلى تراث المقاصد، تعمل أيضًا على مراجعته وتكميله (٣).
ومما يمكن أن نفسر به حياة العلم والجد التي لازمها طول حياته ننقل عن الإمام الأكبر قوله عن نفسه: "إن مزية العلم وشرفَ الانتساب إليه، أمر بلغ من اليقين والضرورة مبلغًا يقصر عنه البيان، وينقص قدره محاولةُ إقامة البرهان، بعد أن توجه الله تعالى به إلى
_________________
(١) على هامش كتاب تلخيص إبطال القياس من تحقيق إحسان عباس. جامعة دمشق ١٩٧٠.
(٢) مجلة الوعي الإسلامي. نفس العدد.
(٣) ا. د. إسماعيل الحسني. نظرية المقاصد عن الإمام محمد الطاهر ابن عاشور. ص ١٩. ط. المعهد العالمي للفكر الإسلامي ١٤١٦/ ١٩٩٠.
[ ١ / ١٧١ ]
نبيه الكريم، وهو الذي علّمه ما لم يكن يعلم، وزكّاه بأنه على خُلُق عظيم، وعلى صراط مستقيم، فقال: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ قولًا جعل طَلَبَ العِلْم، والحرصَ عليه، والاستزادةَ منه، أعظمَ مطلوب لأشرف موجود. وبذلك كان العلم تاجَ نبوَّته، وشعارَ ملّته.
وإني أحمد الله على أن أودع فيَّ محبةَ العلم، والتوقَ إلى تحصيله وتحريره، والأنسَ بدراسته ومطالعته، سجيةٌ فُطرت عليها، فخالطت شغاف قلبي، وملأت مهجتي ولُبّي، وغرزت فيّ غريزة نمّتها التربية القويمة التي أخذني بها مشايخي طيب الله ثراهم، وطهر ذكراهم، ممن جمع أبوّة النسب وأبوّة الروح، أو ممَّن اختصّ بالأبوة الروحية وحدها؛ حتى أصبحتُ لا أتعلَّقُ بشيء من المناصب والمراتب، تعلُّقي بطلب العلم، ولا آنسُ برفقةٍ ولا حديث أُنْسِيَ بمسامرة الأساتيذ والإخوان في دقائق العلم ورقائق الأدب؛ ولا حبِّب إليّ شيء ما حُبّبت إليّ الخلوة إلى الكتاب والقرطاس، متنكّبًا كل ما يجري حولي من المشاغل. فلا تكاليف الحياة الخاصة، ولا أعباء الأمانات العامة التي حُمّلتها فاحتملتها، في القضاء وإدارة التعليم، حالت بيني وبين أُنسي في دروس تضيء منها بروق البحث الذكي، والفهم الصائب بيني وبين أبنائي من الطلبة الذين ما كانوا إلا قرَّة عين وعُدَّة فخر، ومنهم اليوم علماء بارزون، أو في مطالعات وتحارير أخلص فيها نجيًّا إلى الماضين من العلماء والأدباء، الذين خلفوا لنا في آثارهم الجليلة ميادين فسيحة ركضنا فيها بالأفهام والأقلام، ومرامي بعيدة سدّدنا إليها صائب السهام.
فالحمد لله الذي بوّأنا، بين الماضين من أسلافنا والآتين من أخلافنا، منزلة مَن تلقّى الأمانة فأدّاها، وأوتي النعمة فشكرها ووفّاها" (١).
_________________
(١) من كلمته التي ألقاها أمام الرئيس بورقيبة يوم إسناده أول جائزة رئاسية إليه.
[ ١ / ١٧٢ ]