طلاب العلم عندنا في تلك الفترة ليسوا على نمط واحد كما دلّت عليه التجربة وشهد به الواقع، ولكنهم أنماط وأصناف:
منهم من أخذوا علومًا ليسوا في حاجة إليها، تباهيًا وتجملًا بها، وشاركوا في الانتساب إلى علوم عالية مقتصرين في الجملة على ألفاظ وحقائق يسردونها لا يفقهونها ولا ينتفعون بها.
وتميّزت طائفة ثانية بقوّة حوافظها. فكانت تعرض الكتب عن ظهر قلب من حفظها، فيعجب بها السامع، وينجذب المشاهد لما يكون منها أو يجده فيها. فيظن بها خيرًا، ويعتقد أن ما هي عليه هو العلم، وإن كانت هذه الطائفة ساذجة ضعيفة الفكر.
وقد انقسم الناس إزاء هذه الطائفة الأخيرة وإزاء مناهج التعليم عندها. فمِنْ مقلد قادر على التقليد، وآخر بدت منه المحاولة، ولكن خار عزمه عن المتابعة، وضعفت قدرته عن المسايرة. وهؤلاء كلهم، وهم الكثرة، من المعجبين بتلك الطائفة، المباهين بقدرتها على الاستظهار والحفظ.
وتقابل هذه الجماعة فئةٌ أخرى كانت معارضة لهذا المنهج، غير قابلة له، تستنقص قيمة عمل المولعين بالحفظ، ولا تلتفت إليه. لكن هذه الفئة إما معارضة في نفسها تخونها العبارة، فلا تقدر على التعليق أو التغيير عما عليه تلك الطائفة من تقصير ومعايب، وإما قادرة
[ ١ / ٢٣٧ ]
على نقدها وبيان فسادها، ولكنها محدودة العدد لا يظهر منها إلا القليل النادر الفينة بعد الفينة.
ويعلق الإمام الأكبر على هذه الظاهرة بقوله: "فأصبحت قلّة هؤلاء وكثرة أولئك وبالًا عظيمًا على العلم. وهو أصل تشعب الناس في العلوم، وسبب ابتهاج كل فريق بنصيبه منها. وفي هذا يكمن أحد سببي تأخر العلوم. وهما وجود مسائل لا حاجة إليها يطال بها التعليمَ، وهي ليست من العلم في شيء، مستمدةٌ من فنون أخرى تذكر لأدنى علاقة، وإهمال مسائل وعلوم مهمة وقع إغفالها أو الانصراف عنها لسبب من الأسباب المرفوضة الواهية" (١).
ولتفصيل هذه المعاني وتقريرها أتبع الشيخ ابن عاشور ما تقدم من ملاحظات حول العلم: حقيقته والغاية منه بعامة، وحول العلوم الإسلامية وانقسام الطلاب إزاءها حسب ميولهم وأهوائهم، بذكر جملة أسباب عامة اقتضت ضعف طلب العلم وتأخر العلوم، بقصد تجنّبها وتلافي الوضع الشائن الذي هبطت إليه. وقد جعل منها، على سبيل التمثيل لا الحصر ولا الإحاطة، أربعة عشر سببًا فرعيًا تعرض للعلوم وطرق مزاولتها.