أولًا: تداخل العلوم وربط بعضها ببعض. فإنك لا تكاد تجد فنًا من الفنون العلمية خاليًا من استخدام الحكمة أو علم الكلام، وإن أوجب ذلك ضيقًا في العلوم وكثرة للخلاف. وقد مثل صاحب كتاب أليس الصبح بقريب لذلك فقال: تراهم في المنطق مثلًا يختلفون في لزوم النتيجة للمقدمات أهو عقلي أم عادي؟ ثم يختلفون اختلافًا طويلًا أساسه المراعاة لاصطلاح فرق المتكلمين، لأن هذا شأن العاديات، ويهوّل على من يقول: هو عقلي أو واجب بأن فيه تحكيم العقل أو الإيجاب، وهما نزعتان ضالَّتان.
ثانيًا: الاحتجاج للاصطلاح في القديم، ولو كان في ضبط دلالة اللفظ الواحد. فقد اختلف البيانيُّون والنحاة في وجه التقديم، وإن أوجب ذلك اختلافًا في الفهم. فقال البيانيون: هو للحصر، وذهب النحاة إلى أنه لإظهار الاهتمام بالمقدَّم. كما اختلفوا في أصول الفقه في ضبط مدلول مفهوم المخالفة. فقال الجمهور: يفيد
[ ١ / ٢٤٠ ]
النقيض، وذهب ابن أبي زيد إلى إفادته الضدّ، وليسا شيئًا واحدًا. وعقّب المؤلف على هذين المثالين في تحرير المصطلحات بقوله: "وعندي أن لاحترام الاصطلاح حدًّا، وهو أن يحترم ما دام غير مخلّ بشيء في العلم وغير قاصر في ذاته. وانتقد صنيع الغزالي في تبديل الأسماء المنطقية في مقدمة المستصفى، لأن مثل هذا التبديل يوجب تشويشًا" (١). أما إذا كان التغيير عدولًا إلى ما هو أوضح فهو الاصطلاح، وينبغي أن يشاع ليعرفه أهل العلم.
ثالثًا: الإعجاب بآراء المتقدمين، وتنزيههم عن الخطأ، وانحصار العلم في تداول ما تناقلته الأجيال بعضها عن بعض. وقد يحصل النقل لقولين متجانبين في موضوع واحد وهما متضادان، فيحاولون إصلاح ذلك بضروب من التكلّف؛ كقلب الحقيقة إلى مجاز، وتقدير المضاف، وجعل الجزئي كليًا، وغير ذلك. وربما أبطلوا أحد القولين، ولا يكون في الغالب هذا الإبطال أو الترجيح إلا لفائدة ما يختارونه من الأقوال.
ولبيان هذا التصرُّف غير المنطقي وما يترتب عليه من آثار أورد الشيخ ابن عاشور من شرح الحموي على الأشباه والنظائر مسألةً من باب الردّة في كتاب السير في ذكر الأنبياء وناقشها (٢). ثم أتبعها برأيه في كلام القدامى والاعتناء به، مشيرًا إلى أن القواعد العلمية التي أسسها لنا السلف يقرؤها الطلاب ويعتمدونها لتوسيع أنظارهم وخدمة آرائهم لا لتستعبد أفكارهم. ومتى استأسرت القواعد الأفكار بانَ
_________________
(١) محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: ١٨٣.
(٢) الحموي. غمز عيون البصائر: ٤/ ٣٢٩؛ محمد الطاهر ابن عاشور. أليس الصبح بقريب: ١٧٩.
[ ١ / ٢٤١ ]
خطأ النظر. وإننا متى اقتصرنا في مناهجنا على ما أسسه لنا الأسلاف، ووقفنا عند ما حدّدوه رجعنا القهقرى في العلم والتعليم. أما إذا جعلنا أصولهم أسسًا نرتقي بالبناء عليها، فإنا نستكمل ما فاتهم ونستدركه عليهم، وإن لم نحظَ بما فاتنا من علومهم ولو قليلًا.
رابعًا: سيطرة التقليد في العلم وهو ما نعاه الغزالي والباقلاني وغيرهما على كثير من العلماء والمؤلفين. ولا ننسى أن هذا المسلك أضرَّ بالعلوم الإسلامية. ومن ملاحظات الإمام الأكبر على هذا قوله: "وقد وجدت أن التقليد في العلوم هو الذي ينشىء الإعجاب لعالميها بما علموا، لأنهم ما قُلِّدوا حتى غالطوا أنفسهم، وظنوا أن ما علموه منزّه عن الطعن والخطأ. فأصبحت مناظرتهم وانصياعهم عما علموا شيئًا عسيرًا". ثم قال: "والبؤس العظيم للأمة إذا تداخلت العوائد والعلوم، ومُوّهت بعض العوائد الضالة بطلاء الدين والأصول".
خامسًا: سوء التفاهم، وبلوغ الخلافيات بينهم مبلغًا مشينًا، جرّدهم من الموضوعية، ودعاهم إلى التنابز وإشاعة التشنيع والسباب بينهم، فترتب على ذلك كله انقسامهم إلى فئات وشيع. ولو اتبعوا الحق وابتعدوا عن المكابرة في العلم لما نجم بينهم خلاف ابتداءً، إذ العقلاء يشتركون في صفة تَسُوقُهم رأسًا إلى الحق وحده. ومثل هذا الخلاف بنتائجه ظهر بين المعتزلة والأشعرية في مسائل منها: صفات المعاني، وقدرة العبد، والحُسن والقبح.