في منابت الشرف والنبل، ومغارس الصلاح والعلم، بسقت شجرة الأسرة العاشورية، وامتدت فروعها من عهد ازدهار الحضارة الأندلسية ببلد الأندلس. ومنها انتقلت إلى سلا ببلاد المغرب ١٠٣٠/ ١٦٢٠، ثم إلى تونس في حدود سنة ١٠٦٠/ ١٦٤٨. وكان أولَ من دخلها من أفراد هذه الأسرة الشيخ الصالح الشريف أبو عبد الله محمد بن عاشور الحسني.
وفي الظروف الغادرة التي شهدت تآمر أوروبة على دولة الخلافة، وسعي الدول الغربية إلى اقتسام أطراف السلطنة، بمحاولة بسط نفوذها على الولايات العثمانية في أوروبة والشرق العربي وشمالي إفريقيا، وما تبع هذا الأمر من هزّات وتوترات، ولد الشيخ ابن عاشور بقصر جدّه للأم بالمرسى في جمادى الأولى ١٢٩٦ سبتمبر ١٨٧٩.
وهو محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن محمد بن محمد الشاذلي بن عبد القادر بن محمد بن عاشور، وأمه فاطمة بنت الشيخ الوزير محمد العزيز بن محمد الحبيب بن محمد الطيب بن محمد بن محمد بوعتور. وفي عناية والده الشيخ محمد ابن عاشور رئيس جمعية الأوقاف، وفي كنف جدّه للأم الشيخ الوزير محمد
[ ١ / ١٥٣ ]
العزيز بوعتور، نشأ مترجمنا نشأته المميّزة على أكمل الصفات الدينية، وأفضل المناهج التربوية، وخير القيم والمبادىء الأخلاقية التي توافرت جميعها في هذه البيئة الأصيلة الراقية العلمية، حيثما كان مع أبيه وجده بتونس أو منوبة أو المرسى.
وتعزيزًا لعناصر تكوينه الأسري، وحسنَ إعداد له للمشاركة في الميدان الذي ينتظره، أقبل الفتى من السنة السادسة من عمره على مسجد سيدي أبي حديد المجاور لبيتهم بنهج الباشا بتونس. فحفظ به القرآن الكريم ورتّله على الشيخ المقرىء محمد الخياري، وحفظ مجموعة من المتون العلمية كابن عاشر، والرسالة، والقطر، ونحوها مما كان يُعنى المؤدبون بتلقينه لتلامذتهم الصغار. ودرس في نفس المسجد شرح الشيخ خالد الأزهري على الأجرومية (١).