الأمر المجرد يدل على الوجوب إلا لقرينة صارفة، ودليل الوجوب قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .
فلو لم يكن الأمر للوجوب لما ترتب على تركه فتنة أو عذاب أليم. وقال ﵊: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل صلاة" أخرجه البخاري "٨٨٧" ومسلم "٣/١٤٢".
فلم يأمرهم حتى لا يشق عليهم، قال الخطيب في الفقيه والمتفقه "١/٦٨" فدل على أنه لو أمر لوجب وشق. انتهى.
والقرائن التي تصرف الأمر من الوجوب إلى الاستحباب أربعة قرائن هي:
١ - أن يكون الدليل الذي فيه الأمر ذكر معه تعليل يدل على أن ذلك الأمر للاستحباب، مثاله: حديث رافع بن خديج أن النبي ﷺ قال: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر".
[ ١٠٨ ]
أخرجه الترمذي "١٥٤" والنسائي "١/٢٧٢" وهو صحيح.
فالتعليل بأن الإسفار أعظم للأجر، يدل على أن التغليس فيه أجر أيضا لكن دون الإسفار، فيكون الأمر للاستحباب.
٢ - أن يأتي دليل آخر يدل على أن الأمر في الدليل الأول ليس للوجوب، مثاله: حديث أبي تميمة الهجيمي عن رجل من قومه من الصحابة أن النبي ﷺ قال: "إذا لقي الرجل أخاه المسلم فليقل: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته".
أخرجه الترمذي "٢٧٢٢" وصححه، وصححه أيضا الألباني في الصحيحة "١٤٠٣" فالأمر هنا بزيادة "ورحمة الله وبركاته" ليس للوجوب لحديث عمران بن حصين قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم فرد عليه ثم جلس فقال النبي ﷺ "عشرٌ" أي عشر حسنات.
أخرجه أبو داود "٥١٩٥" والترمذي "٢٦٩٠" وهو صحيح.
ففي هذا الحديث لم يأمر النبي ﷺ الرجل بزيادة "ورحمة الله وبركاته" على قوله: "السلام عليكم" فدل هذا على أن الأمر في الحديث ليس للوجوب.
٣ - أن يأتي من فعل النبي ﷺ ترك ذلك الأمر، مثاله حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: "البسوا من ثيابكم البياض، فإنها من خير ثيابكم، وكفنوا فيها موتاكم".
[ ١٠٩ ]
أخرجه أبو داود "٣٨٧٨" والترمذي "٩٩٤" وهو صحيح.
ففي هذا الحديث الأمر بلبس الثياب البيض، وقد جاء من فعل النبي ﷺ ترك هذا الأمر فعن أبي رمثة التميمي قال: رأيت رسول الله ﷺ وعليه ثوبان أخضران.
أخرجه أبو داود "٤٠٩٥" والترمذي "٢٨١٣".
٤ - أن يأتي عن الصحابي الذي روى الحديث ما يدل على أن ذلك الأمر ليس للوجوب، فالراوي أدرى بما يرويه، وأعلم بفقه ما يحدث به من الأحاديث.
وهذه القرائن الأربعة كما أنها تكون صارفة للأمر من الوجوب إلى الاستحباب، كذلك تكون صارفة للنهي من التحريم إلى الكراهة.
[ ١١٠ ]