الحديث حجة بنفسه لا يحتاج إلى الاحتجاج به أن يكون أحد من الأئمة عمل به، قال الشافعي في الرسالة "٤٢٢": أخبرنا سفيان وعبد الوهاب عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمس عشرة، وفي التي تليها بعشر، وفي الوسطى بعشر، وفي التي تلي الخنصر بتسع، وفي الخنصر بست قال الشافعي: لما كان معروفا - والله أعلم - عندنا أن النبي ﷺ قضى في اليد بخمس، وكانت
[ ٣٧ ]
اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع نزلها منازلها فحكم لكل واحد من الأطراف بقدره من دية الكف، فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم فيه أن رسول الله ﷺ قال: "وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الإبل" صاروا إليه، وفي الحديث دلالتان:
أحدهما: قبول الخبر.
والآخر: أن يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه، وإن لم يمض عمل من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا.
ودلالة على أنه لو مضى عمل من أحد من الأئمة ثم وجد خبرًا عن النبي ﷺ يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله ﷺ، ودلالة على أن حديث رسول الله ﷺ يثبت بنفسه لا بعمل غيره.
وقال ابن القيم في إعلام الموقعين "٤/٢٠٤": إذا كان عند الرجل الصحيحان أو أحدهما أو كتاب من سنن رسول الله ﷺ موثوق بما فيه فهل له أن يفتي بما يجده؟، فقالت طائفة من المتأخرين: ليس له ذلك لأنه قد يكون منسوخًا أو له معارض أو يفهم من دلالته خلاف ما دل عليه فلا يجوز له العمل ولا الفتيا به حتى يسأل أهل الفقه والفتيا. وقال طائفة بل له أن يعمل به ويفتي به بل يتعين عليه كما كان الصحابة يفعلون إذا بلغهم الحديث عن رسول الله ﷺ وحدث به بعضهم بعضًا بادروا إلى العمل به من غير توقف ولا بحث عن معارض ولا يقول أحد منهم قط: هل عمل بهذا فلان وفلان، ولو رأوا من يقول ذلك لأنكروا عليه
[ ٣٨ ]
أشد الإنكار وكذلك التابعون وهذا معلوم بالضرورة لمن له أدنى خبرة بحال القول وسيرتهم وطول العهد بالنسبة، وبعد الزمان وعتقها لا يسوغ ترك الأخذ بها والعمل بغيرها ولو كانت سنن رسول الله ﷺ لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان أو فلان لكان قول فلان أو فلان عيارًا على السنن، ومزكيا لها، وشرطًا في العمل بها، وهذا من أبطل الباطل وقد أقام الله الحجة برسوله دون آحاد الأمة وقد أمر النبي ﷺ بتبليغ سنته ودعا لمن بلَّغها، فلو كان من بلغته لا يعمل بها حتى يعمل بها الإمام فلان والإمام فلان لم يكن في تبليغها فائدة وحصل الاكتفاء بقول فلان وفلان.
وقال أيضا في إعلام الموقعين "٤/٢١٢": فدفعنا إلى زمان إذا قيل لأحدهم ثبت عن النبي ﷺ أنه قال كذا وكذا، يقول من قال بهذا؟ ويجعل هذا دفعًا في صدر الحديث أو يجعل جهله بالقائل حجة له في مخالفته وترك العمل به، ولو نصح نفسه لعلم أن هذا الكلام من أعظم الباطل وأنه لا يحل دفع سنن رسول الله ﷺ بمثل هذا الجهل، وأقبح من ذلك عذره في جهله إذ يعتقد أن الإجماع منعقد على مخالفة تلك السنة، هذا سوء ظن بجماعة المسلمين إذ ينسبهم إلى اتفاقهم على مخالفة سنة رسول الله ﷺ، وأقبح من ذلك عذره في دعوى هذا الإجماع وهو جهله ودعم عمله بمن قال بالحديث، فعاد الأمر إلى تقديم جهله على السنة والله المستعان. ولا يعرف إمام من أئمة الإسلام البتة قال: لا نعمل بحديث رسول الله ﷺ حتى نعرف من عمل به.
[ ٣٩ ]
وقال في كتاب الروح "٢٦٤": فلا تجعل جهلك بالقائل به حجة على الله ورسوله، بل اذهب إلى النص، ولا تضعف واعلم أنه قد قال به قائل قطعًا ولكن لم يصل إليك. انتهى.
وقال الألباني في السلسلة الصحيحة "حديث رقم: ١٦٣": لا يضر الحديث ولا يمنع العمل به عدم العلم بمن قال به من الفقهاء، لأن عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود. انتهى.
وقال ابن حزم في الإحكام "٥/٦٦٢": فكل من أداه البرهان من النص أو الإجماع المتيقن إلى قول ما، ولم يعرف أن أحد قبله قال بذلك القول ففرض عليه القول بما أدى إليه البرهان، ومن خالفه فقد خالف الحق ومن خالف الحق فقد عصى الله تعالى، ولم يشترط تعالى في ذلك أن يقول به قائل قبل القائل به، بل أنكر على من قاله إذ يقول ﷿ حاكيا عن الكفار منكرًا عليهم أنهم قالوا: ﴿مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلاقٌ﴾ [ص: ٧] ومن خالف هذا فقد أنكر على جميع التابعين وجميع الفقهاء بعدهم، لأن المسائل التي تكلم فيها الصحابة ﵃ من الاعتقاد والفتيا، فكلها محصور مضبوط، معروف عند أهل النقل من ثقات المحدثين وعلمائهم، فكل مسألة لم يرد فيها قول عن صاحب لكن عن تابع فمن بعده، فإن ذلك التابع قال في تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله بلا شك، وكذلك كل مسألة لم يحفظ فيها قول عن صاحب ولا تابع وتكلم فيها الفقهاء بعدهم فإن ذلك الفقيه قد قال في تلك المسألة بقول لم يقله أحد قبله. انتهى.
[ ٤٠ ]