علة الأحكام لا تثبت بالظن والتخمين وإنما تثبت بالدليل، قال الخطيب في الفقيه والمتفقه "١/٢١٠، ٢١٤": اعلم أن العلة الشرعية
[ ٦٦ ]
إمارة على الحكم ودلالة عليه، ولا بد في رد الفرع إلى الأصل من علة تجمع بينهما، ويلزم أن يدل دليل على صحتها لأن العلة شرعية كما أن الحكم شرعي، فكما لا بد من الدلالة على الحكم فكذلك لابد من الدلالة على العلة، والذي يدل على صحة العلة شيئان: أصل واستنباط، فأما الأصل فهو قول الله وقول رسوله ﷺ وأفعاله وإجماع الأمة، فأما قول الله وقول رسوله فدلالتهما من وجهين: أحدهما من جهة النطق، والثاني من جهة الفحوى والمفهوم، فأما دلالتهما من جهة النطق فمن وجوه بعضها أجلى من بعض، فأجلاها ما صرح فيه بلفظ التعليل،.. عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة أنه أهدى لرسول الله ﷺ وهو بودان أو بالأبواء حمارًا وحشيًا فرده رسول الله ﷺ قال: فلما رأى رسول الله ﷺ ما بوجهه قال: "إنا لم نرده عليك إلا أننا حرم" فبين النبي ﷺ بهذا القول المعنى الذي لأجله رده، ليعلم أن اصطياد المحرم وما صيد له وأهدي إليه بمنزلة واحدة..، ويليها في البيان أن يعلق الحكم على عين موصوفة بصفة وقد يكون هذا بلفظ الشرط كقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فالظاهر أن حمل المرأة على وجوب النفقة، وقد يكون بغير لفظ الشرط كقول الله تعالى: ﴿والسَّارقُ والسَّارِقةُ فاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ [المائدة: ٣٨] ظاهر أن السرقة على وجوب القطع، وأما دلالتها من جهة الفحوى والمفهوم فمن وجوه بعضها أجلى من بعض أيضا، فأوضحها ما دل عليه بالتنبيه كقول
[ ٦٧ ]
الله تعالى: ﴿فَلا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾ [الإسراء: ٢٣] . لفظ الآية يدل بالتنبيه عند سماعه على أن الضرب أولى بالمنع من التأفيف..، ويلي ما ذكرناه في البيان أن يذكر صفة فيفهم من ذكرها المعنى الذي تتضمنه تلك الصفة من غير وجه التنبيه على غيرها،.. عن أبي بكرة عن النبي ﷺ قال: "لا ينبغي للقاضي يقضي بين اثنين وهو غضبان"..، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا وقعت الفأرة في السمن فإن كان جامدًا فألقوها وما حولها". المفهوم بضرب من الفكر في هذين الحديثين أن النبي ﷺ إنما منع من الغضبان من القضاء لاشتغال قلبه في تلك الحال وأن حكم الجائع والعطشان مثله، وأنه إنما أمر بإلقاء ما حول الفأرة من السمن إن كان جامدًا لينتفع بما سواه إذا لم تخالطه النجاسة، وأن الشبرج والزيت مثله في الحكم، وأما دلالة أفعال الرسول ﷺ فهو أن يفعل شيئا عند وقوع معنى من جهته أو من جهة غيره فيعلم أنه لم يفعل ذلك إلا لما ظهر من المعنى فيصير علة فيه، وهذا مثل ما روي أن رسول الله ﷺ سهى فسجد فيعلم أن السهو علة للسجود..، وأما الضرب الثاني من الدليل على صحة العلة فهو الاستنباط وذلك من وجهين أحدهما التأثير والثاني شهادة الأصول، فأما التأثير فهو أن يوجد الحكم لوجود معنى فيغلب على الظن أنه لأجله ثبت الحكم،.. وأما شهادة الأصول، فتختص بقياس الدلالة مثل أن يقول في أن القهقهة في الصلاة لا تنقض الوضوء، ما لا ينقض الطهر خارج الصلاة لا ينقضه داخل الصلاة كالكلام فيدل عليها بأن الأصول تشهد بالتسوية بين داخل الصلاة وخارجها في هذا المعنى. انتهى.
[ ٦٨ ]