الشيء الذي أصله مباح وتركه النبي ﷺ لا يدل على أن ذلك الشيء يجب علينا تركه لحديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "ذروني ما تركتكم، فإنما أهلك من قبلكم بكثرة اختلافهم على أنبيائهم ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم". أخرجه البخاري "٧٢٨٨" ومسلم "١٣٣٧".
قال علي ابن حزم: فهذا خبر منقول نقل التواتر عن أبي هريرة،
[ ٧٤ ]
فلم يوجب رسول الله ﷺ على أحد إلا ما استطاع مما أمر به، واجتناب ما نهى عنه فقط، ولا يجوز البتة في اللغة العربية أن يقال أمرتكم بما فعلت وأسقط ﵇ ما عدا ذلك في أمره، بتركه ما تركهم حاشى ما أمر به أو نهى عنه فقط.
وقال أبو شامة في المحقق "٩٧": وظاهر حديث أبي هريرة أنه لا واجب عليكم إلا من جهة الأمر والنهي، وأنه ما لم آمركم وأنهاكم فأنتم خارجون من عهدة الوجوب والحظر، "فذروني ما تركتكم". انتهى.
فإن قيل: إن الصحابة تركوا أكل الضب لما ترك النبي ﷺ أكله حتَّى بيَّن لهم أنه يعافه، فدل هذا على وجوب ترك ما تركه النبي ﷺ لأنهم تركوا ما تركه النبي ﷺ.
فالجواب: أن ذلك كان وقت تشريع، فظن الصحابة أن تركه ﷺ لأكل الضب هو من باب التشريع حتى بين لهم أن تركه لأكل الضب ليس من باب التشريع فأكلوه.
[ ٧٥ ]