إنّ المصادر التاريخية التي ترجمت للتاج السبكي، لم تبيّن لنا بوضوح أسباب هذه المحنة، لذا فلا زال الكثير من الغموض يكتنف هذه الواقعة، وها أنا أذْكُر بعض ما قيل من هذه الأسباب:
٠١ ما ذكره ابن حجر وابن شهبة: أنّ سبب هذه المحنة هو وجود وصولات لدى الأوصياء صرفت بها أموال ولم يُعيَّن فيها اسم القابض، فحاول ابن الرهاوي إقناع ناظر الأيتام أن يعترف أنّها وصلت للقاضي تاج الدين فرفض ذلك، فآل الأمر إلى اتهام القاضي بها بسعي ابن الرهاوي (٢).
٠٢ أنّ القاضي تاج الدين لما عقدت له المجالس في دار السعادة، تعلق بحكم لنائبه شمس الدين الغزي في شيء ذكره، فَرُدّ عليه بإبطال حكم الغزي، فقال: إن كان حكم الغزي باطلًا فما بقي إسلام أو فبطل دين الإسلام، فتعلقوا بهذه الكلمة، وحكموا بكفره وفسقه (٣).
٠٣ يرى بعض المحققين أنّ سبب هذه المحنة هو إصرار تاج الدين على أحكام صدرت منه مخالفًا فيها لنائب الشام أمير علي المارديني (٤).
٠٤ ويرى بعضهم أنّ السبب إنّما هو: تأليف تاج الدين لكتاب «معيد النعم» الذي انتقد فيه السياسة العامّة والأحوال الاجتماعية في دولة المماليك، مما أثار عليه حفيظة أولي السلطة والمناصب (٥).
٠٥ أنّ سبب هذه المحنة هو مخالفة التاج السبكي لابن تيمية ونقده له في كثير من آرائه وأفكاره، وقد كان في دمشق الكثير من المحبين لابن تيمية والمتعصبين له، مما أثار حفيظة هؤلاء المتعصبين ضده، فحاولوا الإيقاع به بحجة تلك الوصولات، ومما يؤكد ذلك أنّ الذي حكم بسجنه هو ابن قاضي الجبل وهو من تلاميذ ابن تيمية ومن أشهر المتعصبين له (٦).
٠٦ الحسد الذي أعمى الكثير من القلوب وأوغرها ضد التاج السبكي، يؤيد ذلك ما ورد في رسالة التاج إلى رفيقه صلاح الدين الصفدي سنة ٧٦٣ هـ إبّان عزله الثاني، حيث ذكر فيها مبلغ الحسد والمكائد التي كانت تُحاكُ ضده، وبيّن أنّ الله تعالى قد أبطل مكرهم ورفع بين الناس ذِكْره وأعلى منزلته وقدره (٧).
_________________
(١) ابن طولون، القلائد الجوهرية (٢/ ٣٧٢)
(٢) ابن حجر، الدرر الكامنة (٢/ ٤٦٢)، ابن شهبة، تاريخ ابن شهبة (٣/ ٣١٣)
(٣) ابن العراقي، الذيل على العبر (١/ ٢٣٤)، ابن شهبة، تاريخ ابن شهبة (٣/ ٣١٦)، السخاوي، وجيز الكلام (١/ ١٦٢)
(٤) محمد الصادق حسين، البيت السبكي ص ١٧ محمد علي النجار وآخرون، مقدمة تحقيق معيد النعم ص (حـ)
(٥) انظر عبد الله ربيع وسيد عبد العزيز، مقدمة تشنيف المسامع ص ٢٠
(٦) عبد الستار أبو غدة، مقدمة عودة النعم بعد زوالها ص ٨
(٧) انظر ذلك في التاج السبكي، طبقات الشافعية (١٠/ ١٣ - ١٩)
[ ٤٤ ]
ويؤيده أيضًا: ما جاء في رد الصفدي على رسالة التاج حيث قال: «ولو لم يكن مولانا في هذا الكمال ما حُسِدَ على ما حازه من غنائم المعالي، ولا ودّتْ النفوس الظالمة أن تَسلُبه ما وهبه الله، وهو أبهى وأبهر من عقود اللآلي، ولا تمالئوا على اهتضام قدره، وكم هذا التمادي في التمالي فالحمد لله على النُّصرة وما يُغلَق باب إلا ويُفتَح دونه من الخيرات أبواب، وعلى كل حال: أبو نَصْرٍ أبو نَصْر، وعبدُ الوهاب عبدُ الوهاب» (١)
قلت: هذه أهم الأسباب التي ذُكِرت وقيلت حول هذه المحنة، وأرى أنّ الجمع بين هذه الأسباب أمر ممكن، وتكون كلها مجتمعة سببًا لهذه المحنة، بعضها بالمباشرة والأخرى بالتسبب، فأقول: إنّ هناك أسبابًا حقيقية لهذه المحنة وأخرى مباشرة، فالسبب الحقيقي لها إنّما هو الحقد والحسد الذي كان بسبب المكانة العلية والمناصب الرفيعة للتاج السبكي، وأما الحقد فبسبب ما انتقده التاج السبكي من أحوال عصره مما يَمَسُّ الساسة والحكام وأصحاب النفوذ، إضافة إلى شدة التعصب المذهبي الذي كان يموج في ذلك العصر الذي دفع بهؤلاء المتعصبين إلى البحث عن قضايا وأسباب يجعلونها طريقًا للوصول إلى أهدافهم والإيقاع بالتاج السبكي، فوجدوا في قضية الوصولات دافعًا لهم لاتهامه والطعن في أمانته، مما دفع إلى عقد المجالس له، والتي أدت إلى مقولته «فبطل دين الإسلام» التي حكم بها عليه بالكفر والفسق ومن ثم بالسجن والله أعلم.