كانت المصادر الأصولية هي المقدَّمة في النقل عنها، ولا غرابة في ذلك؛ «فالإبهاج» هو كتاب أصولي بالدرجة الأولى، وأهم هذه المصادر:
١ - الإمام فخر الدين الرازي: يعدّ الإمامُ فخرُ الدين الرازي في مقدمة العلماء الذين نقل عنهم التاج السبكي في كتابه «الإبهاج»، فقد أكثرَ التاجُ السبكي من ذكر الإمام والنقل عنه، حتى لا تكاد تخلو صفحةٌ واحدةٌ من ذكرٍ للإمام الرازي، والذي غالبًا ما يذكره التاجُ السبكي بلفظ (الإمام)، فحيثما أَطلق لفظَ الإمام انصرف إلى الرازي، وقد بلغ عدد المواضع التي ذكر فيها الإمامَ الرازي مصرّحًا به حوالي أربعمئة وخمس عشرة مرة (٤١٥)، وخاصةً في النقل من كتابه «المحصول» و«المنتخب» و«المعالم» وغيرها من مصنفات الإمام.
وإنّ هذا العدد الكبير في النقل عن الإمام ليجعلنا نقفُ وَقْفةً لنبحثَ عن السبب في ذلك، ولا يَلُوحُ لديَّ في الإجابة عن هذا التساؤل إلا أمران:
الأول: أنّ «المنهاج» هو أحد مختصرات «المحصول» للرازي، وقد سار به مصنفه على طريقة الرازي في التصنيف، ومن الطبيعيّ أن يَلجأ شرّاحُ «المنهاج» - ومن بينهم التاج السبكي - إلى الإمام الرازي لحلِّ عبارات «المنهاج»، إذ هو الأقدَرُ على ذلك؛ لأنّه هو الأصل له.
الثاني: هذا يدلُّنا دلالةً واضحةً على أنّ التاج السبكي متأثرٌ جدًا بالإمام الرازي، وأنّ السبكي إنّما هو تلميذٌ منْتَمٍ ومخلصٌ لمدرسة الإمام الرازي الأصولية.
٢ - القاضي أبو بكر الباقلاني المتوفى سنة ٤٠٣هـ: يأتي القاضي أبو بكر الباقلاني في المرتبة الثانية من مصادر «الإبهاج»، فقد تكرر ذكر القاضي الباقلاني والنقل عنه في «الإبهاج» حوالي مئة وتسع وثمانين مرة (١٨٩)، وغالبًا ما يشير إليه بلفظ (القاضي)، فحيثما أطلق القاضي انصرف إلى الباقلاني.
٣ - إمام الحرمين الجويني: الإمام تاج الدين السبكي كان كثيرَ الإجلال والاحترام بل والتعظيم لإمام الحرمين أبو المعالي عبد الملك الجويني، لذلك وجدته كثير النقل عنه وبخاصة من كتاب «البرهان» و«التلخيص» و«الأساليب»، حيث تكرر النقلُ عن إمام الحرمين في حوالي مئة وخمسين موضعًا (١٥٠) في أكثر هذه المواضع كان التاج السبكيُّ فيها موافقًا، وليس ذلك بمستغرب، فإمام الحرمين يعدّ من أساطين الأصوليين، وكتابه «البرهان» من أركان طريقة المتكلمين، ولا يمكن لأي أصولي الاستغناء عن أفكاره وآرائه.
[ ٦٨ ]
٤ - الإمام سيف الدين الآمدي المتوفى سنة ٦٣١هـ: بالرغم من أنّ التاج السبكي من المنتمين لمدرسة الإمام الرازي ومن العلماء الذين انتهجوا طريقته في التصنيف، إلا أنّه لم يُغفِل ذِكْر آراء الإمام سيف الدين الآمدي الذي انتهج طريقة مغايرة نوعًا ما لطريقة الإمام الرازي، حيث يعتبر الإمام الآمدي صاحب مدرسة أصولية مستقلة ولها أتباع ينتهجونها (١)، وقد كان الآمدي من مصادر شرح «الإبهاج» الشهيرة وخاصة في كتابه «الإحكام في أصول الأحكام»، فقد تكرر النقلُ عن الآمدي وذِكْره في حوالي مئة وثمانية وثلاثين موضعًا (١٣٨).
٥ - الإمام الغزالي: لا يكاد يخلو أي كتاب أصولي من ذكر للإمام الغزالي وذكر آرائه الأصولية وبخاصة في كتابه «المستصفى» الذي يعدّ من أعظم ما أُلّف في أصول الفقه، لذا فقد أكثر التاجُ السبكي من النقل عنه وذكر آرائه حيث بلغت المواضع التي صرّح باسمه فيها حوالي مئة وأحد عشر موضعًا (١١١)، أكثرها في النقل عنه من كتاب «المستصفى»، ومنها ما هو نقلٌ عن كتبه الأخرى كـ «المنخول» و«أساس القياس».
٦ - صفي الدين الهندي (٢): لقد صرّح التاج السبكي بالنقل عن الشيخ صفي الدين الهندي في حوالي اثنين وتسعين موضعًا (٩٢) وذلك بالنقل من كتابيه «النهاية» و«الفائق»، وأغلب هذه المواضع التي تمّ ذكره فيها كان يذكره التاج في رد الاعتراضات والإيرادات التي تُوجَّه على المسألة أو الدليل المطروح، ذلك أنّ الشيخ صفي الدين كان محققًا بارعًا في حل الإشكالات ورد الاعتراضات.
٧ - الإمام الشافعي: التاج السبكي أصوليٌّ على طريقة المتكلمين والتي تسمى بطريقة الشافعية أيضًا، وكان التاج السبكي يهتمُّ بإبراز حقيقة المذهب الشافعي على وجه الخصوص في المسائل الأصولية؛ لذا فقد كان الإمام الشافعي من مصادر التاج الأصلية والغنية في ذلك، فكان ينقل عن الإمام الشافعي ويصرّح باسمه في كثير من المواضع حتى بلغت حوالي ثمانية وسبعين موضعًا (٧٨)، أكثرُها من كتاب «الرسالة» التي تُعدّ أول مؤلَّف في أصول الفقه.
٨ - الشيخ أبو اسحق الشيرازي (٣): صرّح التاج السبكي بالنقل عن الشيخ أبي اسحق الشيرازي في حوالي اثنين وسبعين موضعًا (٧٢)، وأكثرَ التاج النقل عنه من كتابه «اللمع» وشرحه أيضًا.
٩ - ابن الحاجب: نقل التاج السبكي عن ابن الحاجب وذَكَر آراءَه في حوالي تسعة وستين موضعًا (٦٩)، وبخاصة النقل عن «مختصره»، والذي تصدّى التاج «لشرحه» بعدما أتمّ شرح «المنهاج».
_________________
(١) سيأتي الحديث عن طريقة الآمدي في المبحث التالي
(٢) هو محمد بن عبد الرحيم بن محمد الهندي الأرموي، كان من أعلم الناس بمذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري متضلعا بالأصلين، توفي سنة ٧١٥هـ، من تصانيفه في علم الكلام الزبدة والفائق وفي أصول الفقه النهاية. انظر ترجمته في ابن شهبة، طبقات الشافعية (٢/ ٢٩٦)
(٣) هو الشيخ الإمام أبو اسحق ابراهيم بن علي بن يوسف الفيروزابادي، صاحب التصانيف التي سارت مسير الشمس، توفي سنة ٤٧٦هـ، من مصنفاته: التنبيه والمهذب واللمع والتبصرة. انظر ترجمته في: التاج السبكي، طبقات الشافعية (٤/ ٢١٥)
[ ٦٩ ]
١٠ - القرافي (١): لقد أكثر التاج السبكي من النقل عن الإمام الرازي صاحب «المحصول»، فكان من المنطقي أن يرجع أيضًا لشروح «المحصول» ومن بينها «شرح القرافي»، لذا فقد نقل من هذا الشرح وكان من المصادر الأصيلة، حيث بلغ عدد المواضع التي صرّح فيها التاج بالنقل عن القرافي حوالي سبعة وستين موضعًا (٦٧)، أَكْثَرُها كان من شرح «المحصول»، وبعضها من «الفروق».
١١ - تقي الدين السبكي: إنّ من المصادر الهامة في شرح التاج السبكي والدُه الشيخ تقي الدين، حيث كان والدُه أستاذَه الأول في الأصول، لذا فقد اهتمّ التاج بنقل آراء والده في كثير من المواضع بلغت حوالي ثلاثة وستين موضعًا (٦٣)، منها ما كان يسأله التاج لوالده أثناء شرحه «للمنهاج»، وأخرى ما كان يسمعه منه شخصيًا، والنوع الثالث ما كان ينقله من خَطِّه مثل كتاب «ورد العلل في فهم العلل» وغيره.
وغالبًا ما يذكره بلقب الشيخ الإمام، فحيثما أطلق الشيخ الإمام انصرف إلى والده.
١٢ - أبو الحسين البصري: صرّح التاج السبكي بالنقل عن أبي الحسين البصري في حوالي ثلاثة وأربعين موضعًا (٤٣)، وأكثر النقل كان من كتابه «المعتمد» الذي دوّن فيه أصول المعتزلة، ويعدُّ هذا الكتاب من أركان طريقة المتكلمين كما مرّ معنا، لذا فقد أُثبِتَت آراء المعتزلة الأصولية في كتب الأصوليين المخالفين لهم مع نقد ما يحتاج إلى نقد منها.
١٣ - الأستاذ أبو اسحق الإسفرايني (٢): صرّح التاج السبكي بالنقل عن الأستاذ أبي اسحق الإسفراييني في حوالي تسعة وعشرين موضعًا (٢٩)، ويطلق التاج السبكي عليه لقب الأستاذ، فحيثما ذكر الأستاذ انصرف إلى الإسفرايني.
١٤ - أبو الحسن الأشعري: نقل التاج السبكي عن الإمام الأشعري في حوالي سبعة وعشرين موضعًا (٢٧)، وأكثر هذه المواضع كان يدور حول المسائل الأصولية التي لها جذور كلامية كمسألة الأمر النفسي ونحوها، ويطلق التاج السبكي على الأشعري لقب الشيخ، فحيثما أطلق الشيخ انصرف إلى الإمام الأشعري.
١٥ - أبو الفتح بن برهان (٣): صرّح التاج السبكي بالنقل عن أبي الفتح بن برهان في حوالي خمسة وعشرين (٢٥) موضعًا، أكثرها عن كتابه «الوجيز».
_________________
(١) هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن إدريس القرافي الصنهاجي المصري المالكي، الإمام العلامة الأصولي الحافظ الفهامة، توفي سنة ٦٨٤هـ، من مصنفاته: التنقيح في أصول الفقه، العقد المنظوم في الخصوص والعموم. أنظر ترجمته في: محمد مخلوف، شجرة النور الزكية ص ١٨٩
(٢) هو الإمام إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن مهارن الإسفرايني، أحد أئمة الدين كلاما وأصولا وفروعا، توفي سنة ٤١٨هـ، ومن مصنفاته تعليقة في أصول الفقه والجامع في أصول الدين. انظر ترجمته في: التاج السبكي، طبقات الشافعية (٤/ ٢٥٦)، ابن شهبة، طبقات الشافعية (١/ ١٥٨)
(٣) هو الإمام أحمد بن علي بن محمد بن برهان، كان أول أمره حنبليا ثم تحول إلى الشافعي، برع في الفقه والأصول، توفي سنة ٥١٨هـ، من مصنفاته في الأصول: البسيط والوسيط والوجيز. انظر ترجمته في: ابن شهبة، طبقات الشافعية (١/ ٣٠٧)
[ ٧٠ ]
١٦ - الأصفهاني (١): يعدّ الأصفهاني من أكابر العلماء الذين تصدوا لشرح «محصول» الرازي، ويمتاز شرح الأصفهاني بتحقيق المسائل الأصولية ورد ما يوجَّه إليها من اعتراضات، لذلك فقد اعتمد عليه التاج السبكي في كتابه هذا، وصرّح بالنقل عنه في حوالي أربعة وعشرين موضعًا (٢٤).
١٧ - النقشواني (٢): يعدّ النقشواني من العلماء الذين تتبعوا الإمام الرازي في «المحصول»، لذا فقد وضع على «المحصول» كتابًا سماه «المؤاخذات»، ذكر فيه ما يوجَّه من اعتراضات على محصول الرازي، والتاج السبكي صرّح بالنقل عن النقشواني وخاصة في ذكره الاعتراضات الموجهة على الإمام، حيث صرّح بالنقل عنه في حوالي أربعة وعشرين موضعًا (٢٤).
هؤلاء هم أهم العلماء الذين نقل عنهم التاج السبكي في شرحه «للمنهاج»، وهناك العديد من العلماء الأخرين الذين نقل عنهم التاج السبكي، ويأتي هؤلاء في الدرجة الثانية، أكتفي بذكرهم سردًا وهم:
_________________
(١) هو محمد بن محمود بن عباد أبو عبد الله القاضي شمس الدين الأصفهاني، شارح المحصول، كان إمامًا في المنطق والكلام والأصول والجدل توفي سنة ٦٨٨هـ، من مصنفاته: القواعد في أصول الفقه والدين وغاية المطلب في المنطق. انظر: ابن شهبة، طبقات الشافعية (٢/ ٢٥٨)
(٢) لم أجد له ترجمة
[ ٧١ ]
تاج الدين الأرموي في كتابه «الحاصل»، سراج الدين الأرموي في «التحصيل»، ابن دقيق العيد (١) في «شرح العمدة» و«شرح الإمام»، والمازري (٢) في «شرح البرهان»، والأبياري (٣) في «شرح البرهان»، والقاضي عبد الوهاب (٤) في «الملخص»، وشمس الدين الجزري، ومجد الدين الشيرازي، والعَبري في شروحهم على «المنهاج»، وابن التلمساني (٥) في «شرح المعالم»، وعلاء الدين الباجي (٦)، كما اهتمّ التاج السبكي بإثبات آراء الأصوليين المخالفين كالحنفية والمعتزلة وغيرهم، ومن مصادرهم كان ينقل، ومنهم: الأئمة أبو حنيفة ومالك وأحمد بن حنبل، وأبو بكر الرازي (٧)
_________________
(١) هو الإمام شيخ الإسلام تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن أبي الطاعة القشيري، كان أول أمره مالكيا ثم تحول إلى المذهب الشافعي وهو مجدد القرن السابع، توفي سنة ٧٠٢هـ، من مصنفاته: شرح العنوان في أصول الفقه، وشرح مختصر ابن الحاجب. انظر ترجمته في: ابن شهبه، طبقات الشافعية (٢/ ٢٩٩)
(٢) هو الإمام أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري المعروف بالإمام، خاتمة العلماء المحققين والأئمة المجتهدين الحافظ النظار، توفي سنة ٥٣٦هـ، من مصنفاته: شرح التلقين وشرح صحيح مسلم. انظر ترجمته في: محمد مخلوف، شجرة النور الزكية ص ١٢٧
(٣) هو الإمام شمس الدين أبو الحسن علي بن اسماعيل بن علي بن عطية الصنهاجي الأبياري، أحد أئمة الإسلام المحققين، الفقية الأصولي المحدث المجاب الدعوة، وبعض العلماء يفضله على الفخر الرازي في الأصول، توفي سنة ٦١٨هـ من مصنفاته سفينة: النجاة على طريق الإحياء، التعليقة للتونسي. محمد مخلوف، شجرة النور الزكية ص ١٦٦.
(٤) هو القاضي أبو محمد عبد الوهاب بن علي بن نصر البغدادي الفقيه الحافظ الحجة، النظار العالم الماهر، الأديب الشاعر، توفي سنة ٤٢١هـ من مصنفاته: الأدلة في مسائل الخلاف، الإفادة في أصول الفقه. محمد مخلوف، شجرة النور الزكية ص ١٠٣.
(٥) هو الإمام عبد الله بن محمد بن علي شرف الدين أبو محمد الفهري المصري الشافعي إمام في الفقه والأصلين، توفي سنة ٦٥٨هـ، من مصنفاته: شرح المعالم في أصول الدين، وشرح التنبيه في الفقه. انظر ترجمته في: ابن شهبة، طبقات الشافعية (٢/ ١٣٤)
(٦) هو الإمام علي بن محمد بن عبد الرحمن بن خطاب الشيخ الإمام العلامة علاء الدين أبو الحسن الباجي المصري الشافعي، كان من أعلم أهل الأرض بمذهب الأشعري، توفي سنة ٧١٤هـ، من مصنفاته مختصر المحصول في الأصول، مختصر المحرر في الفقه. انظر ترجمته في: ابن شهبه، طبقات الشافعية (٢/ ٢٩١)
(٧) هو أحمد بن علي أبو بكر الرازي الجصاص، إمام الحنفية في عصره، توفي سنة ٣٧٠هـ، من مصنفاته: شرح مختصر الكرخي وشرح مختصر الصحاوي .. انظر ترجمته في: اللكنوي، الفوائد البهية ص ٥٣
[ ٧٢ ]
وأبو عبد الله البصري (١) وأبو الحسن الكرخي (٢) وعيسى بن أبان (٣) وغيرهم كثير مما تراه مبثوثًا في ثنايا
«الإبهاج»، ولولا الإطالة لاستوعبتُ الجميع، ولكن فيما ذُكِر كفاية ودلالة على عِظَم هذه المصادر.