وفاته
لم يُعمّر شيخنا تاج الدين السبكي طويلًا، فقد وافاه القدر مبكرًا، ولم يُمهله كثيرًا، إذ توفي رحمه الله تعالى شهيدًا بالطاعون عن ثلاثة وأربعين سنة في سابع ذي الحجة من عام ٧٧١هـ (٣).
فقد خطب يوم الجمعة ثالث ذي الحجة، ثم طعن يوم السبت واستمر يعاني المرض حتى مساء يوم الثلاثاء السابع من ذي الحجة حيث اختاره الله تعالى إلى جواره شهيدًا.
وقد كانت جنازته جنازة حافلة حيث صُلّي عليه أكثر من مرة، وحضر نائب السلطنة، وحمل نعشه الأمراء الكبار، وقد شيعه خلائق كثر، ودفن رحمه الله تعالى بمقبرة السبكيين بسفح قاسيون، وقد تأسف الناس لموته كثيرًا.
وهكذا رحل تاج الدين السبكي، بعد حياة حافلة بالعطاء والصبر والجهاد، وبعد أن خلّف وراءه تراثًا ضخمًا كان كفيلًا بأن يُبقي ذِكْره واسمه حيًا في نفوس العلماء وطلاب العلم وأهله، فرحم الله التاج السبكي وجزاه الله عن هذه الأمّة خير الجزاء، وجمعنا الله وإياه في دار المقامة مع السعداء، آمين.
ويعجبني أن أختم هذا الترجمة ببعض أبيات كان قد راسله بها صديقه الصفدي والتي يقول فيها:-
لَكِنْ جَعَلْتَ الشَّامَ بَعْـ ـدَكَ كَالجَحيمِ وَكَانَ جَنَّه
ودِمَشْقُ بَعْدَكَ قَدْ تَرَدَّ تْ ثَوبَ حُزْنٍ فِيهِ دُكْنَه
لَم يُسْقَ مَن يَرِدُ البَريـ ـصَ (٤) وَلو أَتى أَولادَ جَفْنَه (٥)
وكَذاكَ ثَورا (٦) بَعْدَ بُعْـ ـدِكَ ما تَسَنّى بَل تَسَنَّه (٧)
والجَامِعُ المَعْمورُ كَا دَ تُزَعْزِعُ الأَشْواقُ رُكْنَه
والقُبَّةُ الشَّمَّاءُ لَيـ ـسَ بِجَوِّها لِلنَّسْرِ قُنَّه
كانَتْ بِهِ الأَعْطافُ وهِـ ـيَ مَوائِدٌ يَمْلأْنَ صَحْنَه
والآنَ أَقْفَرَ وَحْشَةً وأَسالَ مِنْهُ السَّقْفُ دُهْنَه
ودُموعُهُ فَوّارَةٌ قَدْ قَرَّحَتْ بِالفَيضِ جَفْنَه
_________________
(١) نقل هذا القول عن ابن كثير ابن حجر في الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٨)
(٢) المصدر السابق (٢/ ٤٢٦)
(٣) انظر ابن رافع، الوفيات (٢/ ٣٦٢)، ابن شهبة، طبقات الشافعية (٣/ ١٤٠)، ابن حجر، الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٩)، قلت وفي القلائد الجوهرية (٢/ ٣٧٢) أن وفاته سنة ٧٦١هـ وهو وهم ظاهر، وقد أخطأ ابن هداية الله أيضا في تحديد سنة وفاته فذكرها في سنة ٧٦٩هـ وهو خطأ محض
(٤) عين ماء في دمشق، طاهر الزاوي، ترتيب القاموس المحيط (١/ ٢٠١) مادة برص
(٥) أي الكريم المضياف، المصدر السابق (١/ ٤٣٢) مادة جفن
(٦) اسم نهر في دمشق، المصدر السابق (١/ ٣٥٩) مادة ثور
(٧) أي فسد واختلط
[ ٥٦ ]
وغَدَتْ قِسِيَّ قَناطِرٍ فيهِ مِن البَرْحاءِ (١) مُزْنَه
ولَكَمْ نُفُوسٍ مِن نُفُو سٍ مِتْنَ حِينَ أَكَلَّ مَتْنَه
لَمْ يَبْقَ إِلا زَورَةٌ لِتُزيلَ لَمَّا غِبْتَ غَبْنَه
مَولايَ يا قاضي القُضا ةِ ومَن عَوارِفُهُ شَهَرْنَه
ومُقيلَ عَثْرَةِ كُلِّ مَن قَلَبَ الزَّمانُ لَهُ مِجَنَّه (٢)
ومُبَلِّغَ الآمالِ ظَمْآنا تَشَوَّقَ ما مَجَنَّه (٣)
أنا عِنْدَ غَيرِكَ في الوَرَى مِمَّنْ عَوارِفُهُ أَضَعْنَه
إنَّ الشُّجاعَ بِلَحْمِهِ سَمْحٌ إذا لَمْ يَرْضَ جُبْنَه
فَاسْلَمْ ودُمْ في نِعْمَةٍ ما زَانَ زَهْرُ الرَّوضِ حَزْنَه (٤) (٥)
وقال أيضًا:
تَغايَرَتْ الأَقْطارُ فيكَ فَواحِدٌ لِفَقْدِكَ يَبْكي إذْ لِقُرْبِكَ يَبْسُمُ
وكُلُّ مَكانٍ أَنْتَ فيهِ مُبارَكٌ وفي كُلَّ يَومٍ فِيهِ عيدٌ ومَوسِمُ
ولا شَكَّ في أنَّ الدِّيارَ كأَهْلِها كَما قِيلَ تَشْقَى بِالزَّمانِ وتَنّعَمُ (٦)
_________________
(١) أي شدة الأذى، طاهر الزاوي، ترتيب القاموس المحيط (١/ ١٩٢) مادة برح
(٢) أي الترس، المصدر السابق (١/ ١٨٥) مادة مجن
(٣) أي ماء مجنه وهي عين ماء في الرقة، المصدر السابق (١/ ١٨٥) مادة مجن
(٤) ما غلظ من الأرض، المصدر السابق (١/ ٥٤٩) مادة حزن
(٥) أورد هذه الأبيات التاج السبكي في طبقات الشافعية (١٠/ ٢٣ - ٢٥)
(٦) التاج السبكي، طبقات الشافعية (١٠/ ٣١)
[ ٥٧ ]