رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب
يعدّ «رفعُ الحاجب عن مختصر ابن الحاجب» المصنَّف الرابع للتاج السبكي في أصول الفقه، حيث انتهى التاج السبكي من تصنيفه سنة ٧٥٩ هـ (١)، في حين انتهى من «الإبهاج» الكتاب الأول له سنة ٧٥٢ هـ، ويصرّح التاج السبكي في هذا الشرح بالنقل عن كتابين آخرين له في أصول الفقه الأول أسماه «التعليقة» والثاني أطلق عليه اسم «الشرح الكبير» فيكون «رفع الحاجب» هو الكتاب الرابع له في هذا الفن.
و«لرفع الحاجب» هذا عند التاج السبكي قصة، وذلك أنّه قد وَعَدَ بهذا الشرح في نهاية شرحه «للمنهاج» حين قال: «وفي عزمي والله الميسِّر أن أضعَ شرحًا على «مختصر ابن الحاجب» بسيطا؛ لا عُذر لي إذا لم آت فيه بالعجب العجاب، محيطًا بهذا العلم على أتمّ وجه، لا أميط عنه إلا القشر عن اللباب.» (٢)
وكان والده الشيخ تقي الدين قد شرع في وضع شرح على «المختصر»، فبدأ فيه فعمل منه نحو كراسة واحدة، وقد وَسَمه باسم «رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب» غير أنّه لم يتمّه، ولم يطّلع عليه التاج السبكي، لذا وضع هذا الشرح وسمّاه باسم «رفع الحاجب» تبرُّكًا بصنيع والده. (٣)
_________________
(١) التاج السبكي، رفع الحاجب (٤/ ٦٤٩)
(٢) التاج السبكي، الإبهاج (٣/ ٢٧٥)
(٣) التاج السبكي، طبقات الشافعية (١٠/ ٣٠٧ وما بعدها) قلت: ذكر التاج السبكي شرح المختصر لوالده في منع الموانع ونقل عنه أيضًا، مع أنه قد ذكر في الطبقات وفي رفع الحاجب أنه لم يطلع عليه، ولعله قد وجد هذه الكراسة بعدما أتم شرحه على المختصر والطبقات، وأما ما قاله محقق منع الموانع من أنه ربما سمعه سماعا؛ فإنه مستبعد ولا وجه له عندي، كيف وقد نص التاج على أنه نقل من نص القطعة، ولو كان ذلك سماعا لما جاز له ذلك. انظر: منع الموانع ص ٤٩٢، ٤٩٥
[ ٧٨ ]
والذي يظهر لي أنّ «رفع الحاجب» هو الشرح الثاني للتاج السبكي على «مختصر ابن الحاجب»، حيث كان التاج السبكي قد وضع تعليقًا على «مختصر ابن الحاجب» وصفه التاج بقوله: «فإنّ لنا تعليقًا على مختصر الإمام أبي عمرو بن الحاجب مبسوطًا ومجموعًا، يصبح قَدْرُ الأقران - وإن تعالى عنه - محطوطًا، وكتابًا لم يغادر لمتعنِّت مطلبًا، وعجبا عجابًا، وردَّ مناهل الأصول، وصدَّر بهذا النبأ، وفِهْرستًا فجمع فأوعى، وفاق كتب هذا الفن جنسًا ونوعًا، جمعنا فيه أكثر ما حوته كتب هذا الفن، وأودعناه مباحث كنا نستعمل الفكر فيها إذا ما الليل جن، وذكرنا آرائنا، وناضلنا عليها، وأوضحنا اختياراتنا.» (١)
وبهذا ترى أنّ «التعليقة» إنّما هي شرح أخر أوسع من «رفع الحاجب»، وأما «رفع الحاجب» هذا فهو الشرح الثاني للمختصر، وهو أخصر من الأول وفي ذلك يقول التاج: «بَيْدَ أنّا لم نستوعب فيه [أي «التعليقة»] ما في «المختصر»، وإن كنا لم نَدَع إلا واضحًا لا يَفتقر إلى النظر، فبدأنا في شرحٍ غاية في الاختصار، آية في جمع الشوارد والإكثار، يأتي على تقرير ما في الكتاب كلّه مع مباحث مِن قِبَلنا.» (٢)
وقال أيضًا في وصفه صنيعه في هذا الشرح: «وهو شرحٌ إذا رآه المنصف عرف أنّا أتينا فيه بالعجب العجاب ودعونا قصي الإجادة فأجاب، ورُضْنا عصيّ المراد، فزال شماسه وانجاب، ودرى أهو الجدير أن يبيدَ بالقِرى وهَجَر هجْر واصل الكرام، أم الحقيق بأن يَضرب له آباط المطي أهل الآراء، فإنّا وفّينا بحق مختصر حَلّت فيه العقد، وقام مصنفه - يرحمه الله - بوظيفة الإيجاز التي قصّر دونها كل بليغ، وقعّد ورمى المعاني من أمد بعيد، صَدَح على غصون البلاغة ذوات الأفنان، ومنح الطالبين جنَّةً قطوفها دانية لكل قاصٍ ودان [إلى أن قال]: فقمنا حقّ القيام، ورُضْنا مصاعب النظر بالجدِّ والاهتمام، وتَرقَّينا فجر الحقائق حتى تبلج صبحه والناس نيام، وأعملنا الأفكار، واستخرجنا من الخبايا الأبكار، واستنزلنا المعاني الطائرة من الأوكار.» (٣)
قلت: وقد تكون «التعليقة» هي ذاتُها «الشرح الكبير» الذي عزا إليه التاج السبكي في غير موضع من كتابه هذا، فإذا ثبت ذلك؛ يكون «رفع الحاجب» هو الكتاب الثالث للتاج في علم الأصول وليس الرابع على اعتبار أنّ «التعليقة» والشرح الكبير اسمان لمسمّىً واحد، والله تعالى أعلم.