مكانته العلمية والمناصب التي تولاها
مما لا شك فيه أنّ المنزلة العلمية والمكانة الاجتماعية المرموقة التي تبوأها والده شيخ الإسلام تقي الدين السبكي، وتربيته لولده التاج التربية العلمية الرصينة، كل ذلك كان له الأثر البارز في تفوق تاج الدين السبكي ونبوغه المبكر، مما جعله يحتل مكانة رفيعة بين أقرانه - الذين فاقهم - وعلماء عصره - الذين نازعهم - فلقد رأينا التاج أُذِن له بالإفتاء ولم يتجاوز سنّه الثامنة عشرة من العمر، كما أنّه بدأ التصنيف وهو في حدود العشرين من عمره، وبزغ نجمه في حياة والده، وقرّت عينه به، ولو أطال الله تعالى له العمر لربما فاق منزلة والده.
وليس غريبًا أن تجد كتب الطبقات والتراجم مليئةً بالثناء عليه والإشادة بعلمه بنصوص كثيرة من أقوال رفاقه ومعاصريه وكبار أهل العلم في شتى العصور والأزمنة.
فالسيوطي يعدّه من الأئمة المجتهدين، ويقول: «كتب مرة إلى نائب الشام ورقة يقول فيها: وأنا اليوم مجتهد الدنيا على الإطلاق لا يَقدِرُ أحدٌ يردٌ هذه الكلمة» وعقّب السيوطي على ذلك بقوله: «وهو مقبول فيما قال عن نفسه» (١).
والشهاب أحمد بن قاسم البوني (٢) يعدّه في منزلة الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المتبعة، ويقول في حقه: «الإمام المجمع على جلالة قدره، وتمام بدره بل قيل لو قُدّر إمام خامس مع الأئمة الأربعة لكان ابن السبكي» (٣).
وقال عنه رفيقه الصفدي: «الإمام العالم الفقيه، المحدث النحوي الناظم أفتى ودرّس ونَظَمَ الشعر، وراسلني وراسلته وبالجملة فعلمه كثير على صغر سنّه» (٤).
وقال أيضًا: «وحصل بهذا الولد النجيب اليأس من القاضي إياس وكونه تقّدم في شبابه على كهول أصحابه، فهذا أصغرُ سنًّا وأكبُر منّا، وقد شهد له العقل والنّقل بأنّه فَتيُّ السنّ كَهْلُ العلم والحلم والعقل، والله يمتّعُ الزّمانَ بفوائده، ويرقّيه في الدين والدنيا إلى درجات والده بمنّه وكرمه» (٥).
ويصفه ولي الدين العراقي بقوله: «وكان ذكيًا عالمًا مستحضرًا فصيحًا، طَلْقَ العِبارةِ كثيرَ الإحسان إلى الطلبة» (٦).
_________________
(١) السيوطي، حسن المحاضرة (٤/ ٢٠٠)
(٢) هو الإمام العلامة المحدث شهاب الدين أبو العباس أحمد بن قاسم بن محمد البوني، توفي سنة ١١٣٩هـ، من مصنفاته: نظم الخصائص النبوية، والمستدرك على السيوطي، انظر: مخلوف، شجرة النور الزكية ص ٣٣٠
(٣) نقل هذا القول الكتاني في فهرس الفهارس (٢/ ١٠٣٨)
(٤) الصفدي، الوافي بالوفيات، (١٩/ ٣١٥)
(٥) الصفدي، الوافي بالوفيات (١٩/ ٣١٦)
(٦) ابن العراقي، الذيل على العبر (٢/ ٣٠٠٥)
[ ٣٧ ]
والحافظ ابن حجّي يقول فيه: «حصّل فنونًا من العلم، من الفقه والأصول وكان ماهرًا فيه والحديث والأدب، وبرعَ وشاركَ في العربية، وكان له يد في النظم والنثر، جيّدَ البديهةِ، ذا بلاغة وطلاقة لسان، وجرأة جنان، وذكاء مُفرِط، وذهن وقّاد، وكان له قدرةً على المناظرة، وصنف تصانيف عديدة في فنون على صغر سنه وكَثرَة أشغاله، قُرِئت عليه، وانتشرت في حياته وبعد موته» (١).
وقال عنه شيخ حفاظ الإسلام ابن حجر العسقلاني: «أمعن في طلب الحديث، وكتب الأجزاء والطباق مع ملازمة الاشتغال في الفقه والأصول والعربية حتى مَهَرَ وهو شاب، وكان ذا بلاغة وطلاوة لسان، عارفًا بالأمور، وانتشرت تصانيفه في حياته، ورزق فيها السعد» (٢).
وقال عنه ابن تغري بردي: «قاضي قضاة دمشق وعالمها» (٣).
وقال أيضًا: «كان إمامًا عالمًا بارعًا فقيهًا نحويًا أصوليًا وكان ذكيًا صحيح الذهن، وبرع في الفقه وغيره، وأفتى ودرّس» (٤)، وقال في موضع آخر: «كان إمامًا بارعًا متفننًا في سائر العلوم» (٥).
ووصفه ابن هداية الله بقوله: «كان فاضل أهل زمانه وناطح أقرانه، شديد الرأي قوي البحث يجادل المخالف في تقرير المذهب ويمتحن الموافق في تحريره، وبرع حتى عُدِم مثله في عصره، يرتحل إليه الطلبة من الآفاق» (٦).
وقد مدحه ابن حبيب بقصيدة بعثها إليه عند قدومه إلى دمشق قاضيًا عليها سنة ٧٦٠هـ، بعد أن أقام مدة في القاهرة معزولًا عن القضاء فقال:
قَدِمَ الغَمامُ فَمَرْحَبًا بِقُدومِهِ ومَسَرَّةٍ بِخُصوصِهِ وعُمومِهِ
أَهَلًا بِغَيثٍ صَيِّبٍ أَثْرى الثَّرى بِنُزولِهِ واخْضَرَّ لَونُ هَشيمِهِ
أَهلًا بِغَوثٍ عارِفٍ يَهدي الوَرى بِالنُّورِ مِن أَعلائِهِ وعُلْويِّهِ
أَهلًا بِأَوْبَةِ حَاكِمِ مُتَثَبِّتٍ يَنْفِي عَنِ المَقْهُورِ ظُلْمَ خُصومِهِ
ويُؤَيِّدُ الشَّرعَ الذي يَقولُهُ ويَكُفُّ عَن ذي الحَقَّ كَفَّ غَريمِهِ
تاجُ العُلى مَعْنى الوُجودِ ولَفْظُهُ شَرَفُ الأُلى مَعْنى الزَّمانِ كَريمه
يُبْدي بُرُودَ الزَّهْرِ مِن مَنْثُورِهِ يُسْدي عُقُودَ الدُّرِّ مِن مَنْظومِهِ
يَسْمو بِبَيْتِ خَزْرَجيٍّ عامِرِ يُبْنَى الحَلالُ على قَواعِدِ خَيْمِهِ
بِمَسيرِهِ عَذُبَتْ مِياهُ النِّيلِ مِن فُسْطاطِ مِصْرَ وطابَ عُرْْْْْفُ نَسيمِهِ
والشّامُ لمّا شامَ بارِقَهُ غَدا يَخْتالُ في جَنَّاتِهِ ونَعِيمِهِ
والكَونُ أَضْحَى ضَاحِكًا مُسْتَبْشِرًا بِإيابِ فَيّاضِ النَّوالِ عَمِيمِهِ
وبِزَعَفَرانِ الأُفْقِ راحَ مُخَلِّقًا والأُفْقُ زُيِّنَ فَرْحَةً بِنُجومِهِ
ومنها:
قَاضٍ لَهُ لَفْظٌ يَبِينُ الحَقَّ مِن مَنْطُوقِهِ الحالي ومِن مَفْهُومِهِ
وله التَّصَانيفُ التَّي لِلْفَضْلِ مِن أَوراقِها ثَمَرٌ زَها بِكُرومِهِ
_________________
(١) نقل هذا القول ابن قاضي شهبة في تاريخه (٣/ ٣٧٤)، وفي طبقات الشافعية (٣/ ١٤٢)
(٢) ابن حجر، الدرر الكامنة (٢/ ٤٢٦)
(٣) ابن تغري بردي، الدليل الشافي (١/ ٤٣٣)
(٤) ابن تغري بردي، المنهل الصافي (٧/ ٣٨٥)
(٥) ابن تغري بردي، النجوم الزاهرة (١١/ ٨٦)
(٦) ابن هداية الله، طبقات الشافعية ص ٢٣٤
[ ٣٨ ]
وله طَرِيقٌ مُسْتَقيمٌ واضِحٌ خَجِلَتْ رِماحُ الخَطِّ مِن تَقْويمِهِ
للسُّنَّةِ الغَرَّاءَ والقُصَّادِ في أَيّامِهِ عِزٌّ كَعِزِّ حَميمِهِ
ولِمَجْلِسِ الحُكْمِ العَزِيزِ بِشَخْصِهِ شِمَمٌ تَغَارُ الشُّمُّ مِن تَفْخيمِهِ
وفي آخرها:
لا زِلْتَ تَعْلو في البَرِيّةِ ما عَلا قَدْرُ المَقامِ بِفَضْلِ إِبْراهِيمِهِ (١)
وبالإضافة إلى سعة علم التاج الذي قد أثنى عليه وأشاد به علماء عصره ومن بعدهم، كان التاج - رحمه الله تعالى - متصفًا بالأخلاق الحميدة، فقد كان حسن السّمت، جوادًا كريما مهيبا تخضع له رقاب القضاة ومن غيرهم ويخشون جانبه (٢).
المناصب التي تولاها:
لقد تولى التاج السبكي مناصب عديدة قلّما جمعت مثل هذه المناصب لأحد سواه، قال ابن كثير في ذلك: «حصل له من المناصب والرياسة ما لم يحصل لأحد قبله، وانتهت إليه الرياسة بالشام» (٣).
ومن هذه المناصب التي تولاها: